سلسلة كتاب الأمة: فقه التدين فهما وتنزيلا. للدكتور عبدالمجيد النجار

سلسلة: كتاب الأمة

                           العددين 22 و23

 

 

 

في فقه التدين فهما وتنزيلا

                                                          

 

                                                                    الدكتور عبد المجيد النجار

 

 

تقديم

بقلم : عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي بعث في الأميين رسولا منهم، يتلو عليهم آياته، ويزكيهم ويعلمهم  الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.

والصلاة والسلام  على محمد ، الذي ابتعث من قومه ، ليكون بصيرا بواقع أمته، محل دعوته، والذي كانت الغاية من إرساله إلحاق الرحمة بالناس، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وبعد:

فهذا كتاب الأمة الثاني والعشرون،  (في فقه التدين فهما وتنزيلا) للدكتور عبد المجدي النجار ، في سلسلة الكتب التي يصدرها مركز البحوث والمعلومات، برئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية، في دولة قطر ، مساهمة في تحقيق الوعي الحضاري ، والتحصين الثقافي ، وإعادة بناء الشخصية المسلمة، بعد ان افتقدت كثيرا من فعاليتها، ومنهجيتها ، وصوابها ، ومسئوليتها في الشهادة على الناس ، والقيادة لهم، وتقويم حياتهم بشرع الله ، وانحسر شهودها الحضاري المعاصر، إلى درجة كادت تضيع معها معالم الشخصية الحضارية التاريخية للأمة.

والغياب  الحضاري ، الذي نحن بصدده ، قد لا يكون بسبب نضوب  منابع الدين في حياتها، بقدر ما هو خطأ في منهج ووسائل الوصول إلى هذه المنابع، وحسن التعامل معها وترجمتها إلى لغة الواقع ، وإثارة الاقتداء بها عند الناس.

فإصابة الأمة اليوم، تكاد تنحصر في منهج ووسائل التدين، خاصة بعد أن تكفل الله بحفظ الدين، الذي يعني فيما يعني: خاتميته وخلوده. ويبقى الأمر المطروح بإلحاح، في كل زمان ومكان : الكيفية التي بها تكون إثارة النزوع إلى التدين، وتفجير ينابيعه، في النفس البشرية، ومن ثم تقويم السلوك الفردي والاجتماعي بنهج الدين القويم.

ذلك أن قضية التدين، أو تقويم الحياة بنهج الدين ، هي قضية ملازمة لوجود الإنسان ؛ فطالما أن هناك إنسانا، يمتلك اهلية الاختيار، فلا بد له من منظومة قيم، يؤمن بها، ويصدر عنها في القبول والرفض ، والإقدام والإحجام ، هذه المنظومة هي مجموعة معارف وقناعات، إما أن يختارها بنفسه، أو يرثها عن مجتمعه، او ينقلها عن مجتمعات أخرى ، وقد يتجاوز عالم حواسه، ويترقى في النظر القلي ، إلى آفاق واستفهامات لا يمتلك الإجابة الشافية عليها ، فينتهي إلى ضرورة التلقي عن النبوة ، فتكون ضميمة الوحي، التي لا تخرج في الاهتداء إليها عن العقل.

فالإنسان مخلوق متدين ، والتدين نزعة فطرية ، لا يمكن تصور انسان بدونها ، مهما كانت صورة ذلك التدين، والاستقراء يؤكد أنه وجدت في التاريخ مدن ليس فيها مصانع، ولا معامل، ولا مدارس ، ولا نواد ، لكن لم توجد في تاريخ الإنسان الطويل مدينة بلا معابد ، وكثير من المفكرين وفلاسفة المادة الذين يقولون: على الرغم من انشغالنا طيلة النهار بضجيج الآلات ، وزيادة الإنتاج ، وتحسينه ، إلا أننا عندما نأوي إلى مضاجعنا تؤرقنا مجموعة أسئلة ، لا نجد لها جوابا شافيا ، كيف بدأ الخلق ؟ وكيف سينتهي ؟ وهل الموت يعني الانطفاء النهائي؟!

فالنزوع إلى التدين ملازم للإنسان كما أسلفنا ، لكنه قد يلتقي بهداية السماء ، ويستقيم بشرع الله ، وقد يضل طريقه ، متخذا أربابا من دون الله ، ومن لم يكن عبدا لله فهو  عبد لسواه ، والذين يظنون انهم تمردوا على دين الله ، وخرجوا عليه لم يدركوا أنهم سقطوا في عبودية الأشخاص والاهواء والشهوات قال تعالى: (أفرأيت من أتخذ إلهه هواه) .

وقد لا يكون المجال هنا مجال مناقشة وموازنة ، بين هدي الله وما يمنحه للإنسان من الحرية والعدالة والكرامة والمساواة؛ وألوان التدين الأخرى ، لكن لا بد لنا من التأكيد أن الذين حاربوا هداية الله إنما حاربوها لأنها تسويهم بغيرهم من الخلق ، وهم يريدون لأنفسهم أن يكونوا آلهة وأربابا، لهم حق السيادة والأمر والنهي ، وأن الصراع ، والحوار ، والمواجهة .. إنما هو في الحقيقة صراع بين ألوان من التدين ، أو من الدين ـ إن صح التعبير ـ .

هذا النزوع المفطور في الإنسان ، هو الذي يشكل القابلية والتهيؤ لاستقبال الهدي الإلهي، وبقدر ما يكون جهاز التوصيل سليما، والإرسال صحيحا ، ويكون المرسل بصيرا وفقيها بأساليب الخطاب ، وأحوال المخاطبين ، وكيفية إثارة كوامن هذا النزوع بالاتجاه الصحيح ، بقد رما يكون الكسب الديني متعاظما وممتدا ، وبقد رما تصاب أجهزة الدعوة إلى الدين، بقدر ما يكون التأثير محدودا ، فالعلة ليست دائما في المخاطب ، فقد تكون العلة كلها في المخاطب الذي يريد توصيل الدين إلى الآخرين.

لذلك نرى أكثر الفترات تألقا وامتداداً فترة النبوة والصحبة، والمراحل التاريخية التي استطاعت استصحاب روح تلك الفترة.

لقد استطاعت تلك المراحل التاريخية إثارة كوامن التدين ، واحسنت في إيصال الإسلام إلى الناس، وتقويم واقعهم بهدية، فالقرآن هو القرآن كما أنزل ، والسنة بيانه ، محفوظان بحفظ الله الذي أثمر جهود العلماء ، أوعية الحفظ وأدواته، لكن المشكلة اليوم ليست فقط في إتقان وإدراك الخطاب الديني المحفوظ ، أي ليست في معرفة نصوص الدين ، وإنما بإصابة أجهزة الدعوة بالعطب ، ولا نعني بأجهزة الدعوة الوعظ والإرشاد ، بقدر ما نعني امتلاك القدرة على فقه الإنسان، وفقه المجتمعات ، والتبصر بكيفية خطابها ، وطرائق بسط الدين على حياتها لتستقيم بنهجه.

ومن الأمور التي تدعو للاعتزاز والإعجاب ـ والتي جاءت ثمرة حفظ الله لهذا الدين ـ الجهود العملية التي بذلت لحماية نصوصه وتنقيتها ، ومن ثم وضع الأصول والقواعد لمعرفة المراد الإلهي.

فلقد تطورت العلوم التي تخدم هذا المقصد في مجال مناهج التفسير، وعلوم القرآن ، ومصطلح الحديث ، وأصول الفقه ، ومناهج الاستنباط ، وعلوم اللغة ، ودلالات الألفاظ ، وهو ما يسمى علوم الآلة ، تطورا كبيرا ، وكلها تشكل في نهاية المطاف وسيلة لفهم الدين ، لكنها انقلبت في عصور التقليد والركود والتخلف إلى غاية بحد ذاتها ، معطلة بيد أصحابها يصعب إعمالها، وتعديتها إلى مجرد مثال آخر، غير مثال الأقدمين، وغاية ما استطاعت فعله، هو المحافظة على الصورة واستبقائها ، ونقلها إلى الجيل التالي، أما تشغيل هذه الآليات، وتطويرها لتحقيق المقاصد منها، والإفادة مما قدمه العصر من تقنيات للحفظ والتيسير فلم يحفظ بالحد الأدنى ، كما أن التعامل مع الصورة الجديدة للواقع بظروفه وشروطه ، من وجهة نظر إسلامية يكاد يكون توقف تماما من خلال تلك الآليات التي تعطلت منذ زمن.

ونستطيع القول : إن هذه الآليات (آليات الفهم) للمراد الإلهي في المراحل المتأ×رة ـ حيث أصبحت تجريدات ذهنية بعيدة عن الواقع ـ بدل ان تكون أداة تيسير وفهم ، انقلبت إلى حواجز ومعوقات تحول دون القدرة على الاغتراف من مصادر المراد الإلهي ـ الكتاب والسنة ـ للتعامل مع العصر ، وأصبح التدين مقتصرا على مجرد حفظها وترديدها، وليس القدرة على إعمالها ، ولو أحسنا إدراكها ـ إلى جانب حفظها ـ لتمت النقلة المطلوبة في بيان المراد الإلهي لمشكلات الأمة وقضايا الواقع ، وبسط الدين سلطانه على الفعاليات المختلفة.

لقد دون الوحي ليحفظ ، وجمع لئلا يضيع ، ودون الحديث ، وصنف لتنقيته من الدخيل على الوحي ، ونشأت دواعي علم النحو والصرف ودلالات الألفاظ لحماية النص وعدم الخروج بالمعنى عما وضع له اللفظ ، لكن إلى أي مدى وخاصة في عصور الركود والتقليد استطعنا تجاوز أسوار الحماية هذه إلى الانتفاع بما في داخلها، لحاضرنا ومستقبلنا؟!

لقد بدأت القدسية للنص القرآني والحديث النبوي وهما مقدسان بلا شك  لأنهما وحي يوحى ، وكان لهذه القدسية معنى حياتي ، وبعد حضاري ، ثم انتهى القرآن إلى لون من التراتيل ، يتلى للتبرك ، بعيدا عن دوره في بناء العقل ، وتعمير الأرض ، والقيام بأعباء الاستخلاف الانساني ، وأصبح صحيح البخاري ، وموطأ مالك، وكتب السنة الشهيرة ، تقرأ في النوازل ، ثم انتقلت القدسية إلى فهوم البشر واجتهاداتهم في عصر معين، وأصبح المراد الإلهي وقفا على فهمهم وعصر هم ومشكلاتهم وكادت هذه الفهوم تحل محل الكتاب والسنة، وبذلك افتقدا بهذه الصورة التي صارا إليها صفة الخلود والقدرة على العطاء المتجدد.

صحيح أن اصول المشكلات الانسانية وثوابتها، يمكن ان تكون واحدة في العصور كلها، وأن مظاهرها وأشكالها، هي التي تتعدد ، وتتنوع ، وتختلف ، ولولا هذا التجدد لاكتفت البشرية بالنبوة الاولى ، ولما جعل الاجتهاد المستمر مصدرا للتشريع في النبوة الآخرة، ولما جاءت معظم نصوص المراد الإلهي ، عامة ومرنة، لتكون قادرة على استيعاب العصر وتصريف شؤون الناس وفق الهدي الديني، فيما وراء الثوابت ، والأمر الذي لا بد له من الاجتهاد لكل عصر.

وإذا سلمنا بأن المجتهد هو ابن عصره وبيئته ، وأن الاجتهاد لبسط الدين على واقع الناس ، وتقويم مسالكهم بنهجه يجب أن يأخذ بعين الاعتبار معطيات العصر، ومشكلات الناس ، الذين هم محل الحكم الشرعي ، فلا بد لنا من القول : بأن هذه المسلمة لحقت بها إصابات بالغة وقد نقول : قاتلة ، من خلال ما نلاحظه من انفصال المجتهدين والمفكرين عن هم امتهم وقضايا عصرهم ومشكلاته ، والدوران في فلك الاجتهاد والافكار البشرية السابقة ، التي على الرغم من دقتها وتميزها وإبداعها ، غلا أنها إنما جاءت ثمرة لعصر معين، بقضاياه ومشكلاته. وأقل ما يقال فيها: إنها لم تكن محصلة لهذا العصر، وإن الالتجاء إليها، والاحتماء بها، قد يحافظ عليها حفاظا تاريخيا، لكن الاقتصار على ذلك ، دون القدرة على الإفادة منها ، كمعين للفهم والنقل الثقافي ، والشهود الحضاري ، يفقدها قيمتها، ويبعد بها عن إغناء حياة المسلمين، فتنقلب معوقا ، ومعانا حضاريا ، بدل أن تكون دافعا ومشروع نهوض.

ولعل الأخطر من ذلك ـ وارتباط الأمرين بعضهما ارتباط سبب ونتيجة ـ التوقف المذهل في إطار العلوم الاجتماعية والانسانية، وهي الأدوات والآليات الضرورية لفهم الواقع، وإدراك أبعاد الإنسان، والتعرف على مفاتيح شخصيته، وطرائق تفكيره، والأسباب الحقيقية الكامنة وراء مشكلاته ، وهو محل الحكم الشرعي.

إن هذه المعرفة بما تقدمه من نتائج تصبح ضرورة شرعية، واعتقد أنها تقع ضمن إطار الفروض العينية للذي يتصدى لعملية الاجتهاد وبيان المراد الإلهي ، وبسطة على واقع النسا، والحكم على مسالكهم، لتتم عملية الموافقة والتكيف بين الحكم ومحله بدقة ، ولا بد أن نذكر هنا تنبه بعض المؤسسات العلمية الإسلامية ـ كلية الشريعة بجامعة دمشق ـ إلى أهمية العلوم الاجتماعية والانسانية بقدر أهمية العلوم الشرعية نفسها، فكانت لها اسبقية في هذا المجال، حيث اعتمدت دراسة علم النفس، وعلم الاجتماع ، وحاضر العالم الإسلامي مواد اساسية في منهجها.

ولعل خطورة توقف العلوم الاجتماعية والانسانية، في أنه حرم المفكر المجتهد من التعرف إلى ساحة عمله ، وأضاع عليه خارطة الطريق ، التي يحاول أن يسلكها، لتنزيل المراد الإلهي على واقع الناس ، وتحقيق تقويم سلوكهم بدين الله، وامتلاك شروط التغيير السليمة؛ ولا مناص من الاعتراف اليوم بأن آليات العلوم الاجتماعية تطورت تطورا كبيرا على أيدي غير المسلمين، وبلغت شاؤا واسعا، في معرفة الإنسان، الأمر الذي لا مندوحة منه لبسط الإسلام على حياة الناس، الأمر الذي لا مندوحة منه لبسط الإسلام على حياة الناس، وإلا كان التعامل مع مجهول، لقد توقف العقل المسلم عن السير في الأرض، والتعرف على تاريخ الامم في النهوض والسقوط، واكتشاف آيات الله في الانفس والآفاق ، وآليات التغيير الاجتماعي ، التي وردت في القرآن بشكل لافت للنظر ، وهي أشبه ما تكون بالمعادلات الرياضية بعد أن اصبح القرآن مجرد تراتيل للتبرك .. فظن كثير من المجتهدين، أن العملية الاجتهادية، تكفي لها الرؤية النصفية، وهي الوصول إلى معرفة الحكم الشرعي، أما دراسة محل الحكم، والكيفية التي يتم بها بسطه على الواقع ، وطبيعة هذا الواقع، بتركيبه المعقد ، وأسبابه القريبة والبعيدة ، فلم تأخذ الاهتمام المطلوب ، فانفصل الدين عن الحياة ، وانتهى الفقه إلى تجريدات ذهنية وأراجيز حفظية لا نصيب لها من الواقع.

والذي يحاول التعرف على شروط الاجتهاد التي وضعها العلماء يجد أن من جملة هذه الشروط معرفة أعراف الناس ومألوفهم، إلا أن هذا الشرط لم يحظ بشيء من الدراسة الجادة، والبيان الشافي والتأصيل العلمي ، على عكس الشروط الأخرى كلها التي يمكن أن نقول : إنها درست وأنضجت حتى كادت تحترق ، لأنها أدخلت في طور استحالة التحقق ، أما هذا الشرط ، وهو معرفة الواقع ، فاكتفي فيه بإشارات بسيطة وساذجة في كثير من الأحيان ، هي أقرب للملاحظات والمشاهدات، منها للمناهج والدراسات، اللهم إلا الجانب القليل من مباحث الاستحسان والمصالح المرسلة، وسد الذرائع ن والعرف ، أو ما يمكن أن نسمه بالمصادر التبعية، ذلك أن النظر الاجتهادي في هذه المصادر اعتبره بعضهم ملحقا إلى حد بعيد بالقياس ـ القياس الخفي ـ لبيان المرادالإلهي ، أكثر منه تعلقا في معرفة واقع الناس محل التنزيل ؛ أما مكونات الإنسان ، وعوامل تشكيل شخصيته، وبناء علاقاته الاجتماعية ، والقوانين التي تحكمها فلم يكن له النصيب المطلوب ، إلا من بعض البوارق التي لم يكتب لها الاستمرار.

لقد كان المجتهد جزءا من الحياة يتعامل معها ويحترف بحرفها ويخوض معاركها ويكون لمشاهداته ومعاناته الميدانية نصيب كبير من فقهه، أما عندما انفصل المجتهد عن مجتمعه ، وابتعد عن همومه فقد فاته الإدراك الواعي لمشكلاته، فجاءت اجتهاداته اجتهادات نظرية مجردة، تنطق من فراغ ، وتسير في فراغ ، مما جعل بعض المفكرين يطلقون عليها مصطلح «فقه الوراق » لنها تكونت بعيدا عن واقع الناس وميدان نشاطهم . فأية قيمة للحكم تبقى إذا لم ينزل على محله وكيف يعرف محله دون دراسة وعلم؟!

لذلك نرى من لوازم الاجتهاد اليوم، الاستيعاب المعرفي الشامل للواقع الانساني ، وهذا لا يتأتى كله من مجرد المعايشة ، والنزول إلى الساحةـ الأمر الذي لا بد منه ـ وإنما النزول والتزود قبله، بآليات فهم هذا الواقع، من العلوم الاجتماعية التي توقفت في حياة المسلمين منذ زمن ، ذلك أن عدم الاستيعاب والتحقق بهذه الشروط اللازمة لعملية الاجتهاد، أدى إلى انفصال اصحاب المشروع الإسلامي، عن واقع الحياة، وإن لم ينفصلوا عن ضمير الأمة، التي لاتزال ترى في المشروع الإسلامي بوارق الامل للانقاذ والتغيير.

والتغيير لا بد له من ادراك المراد الالهي اولا ومن ثم آليات فهم المجتمع بالمستوى نفسه ، حتى يتم الانجاز ، وقد تكون مشكلة الحضارة اليوم ان الذين ادركوا آليات فهم الواقع لم يؤمنوا بالخطاب الالهي ، وكثير من الذين آمنوا بالخطاب الالهي لم يدركوا آليات فهم الواقع.

فالاجتهاد الفردي في هذا العصر يكاد يكون مستحيلا ، بعد هذا التوسع ، والتبحر في الاختصاص ، والتعقيد في تركيب المجتمعات، والتشابك في العلاقات الاجتماعية، والتأثر والتأثير بين الأمم من جهة، وبين جوانب الحياة المتعددة، لذلك لا يتسع عمر الفرد ولا علمه ـ مهما بلغ من النبوغ ـ لهذا النوع المطلوب من الاجتهاد، فلا مندوحة والحالة هذه من التقدم باتجاه المؤسسات ومراكز البحوث والدراسات، وبناء العقل الجماعي المؤسسي، الذي يمتلك نوافذ الرؤية من الجهات كلها وفي العلوم كلها.

لقد حفل العصر السابق بإنجازات فردية هامة جاءت ثمرة لمقتضيات العصر نفسه، أما بعد أن توسعت الامور واصبحت الدنيا كلها محل رؤية الإنسان وخطابه ، فلا بد من اعادة النظر في عملية الاجتهاد. حتى يمكن تحويل الإسلام من قيم ومبادئ ومواثيق اخلاقية وارشادات عامة توجه مسيرة الحياة إلى برامج واحكام تصوغ الواقع وتضع الاوعية الشرعية الصحيحة لحركته.

فالايمان بخلود هذا الدين ، وصلاحيته لكل زمان ومكان وقدرته على النهوض بالأمة إلى مرتبة الشهود الحضاري، أصبح مسلمة لا تحتمل شكا ،ولا استزادة لمستزيد ، وتعاظم المد الإسلامي الى آفاق لم تكن بالحسبان، لكن لا بد من الاعتراف بأن حركة الجهاد لترشيد تدين هذا المد، ووضع البرامج والأوعية الشرعية لحركته، لم تكن بالمستوى المطلوب ، ولا الموازي لحركة المد الاسلامي، ذلك أن الجماهير المسلمة آمنت بالإسلام ، لكنها لم تبصر بالواقع وكيفية التعامل معه، وتقويمه بنهج الدين، لقد امتلكت القاعدة الإسلامية العريضة وافتقدت القيادة الواعية الرشيدة الفقهية ، فلحقت بها إصابات بالغة ليست كلها بسبب اعدائها ، وهذا يقتضي ديمومة النظر وبذل الجهد والاجتهاد في كل وقت عصر للإفادة من الخطاب الإلهي في تقويم مسالك الناس  ومعالجة مشكلاتهم وفق الهدي الديني ، ذلك الاجتهاد (الفقه) الذي يمكن ان نمثل له بدور الطبيب ، الذي يدرس حالة المريض ، ويحدد اسباب المرض وآثاره ، ويختار له من مجموعة الادوية المحفوظة في الصيدلية، ما يناسبه ويعالج حالته، دون أن يكون لذلك آثار جانبية قد تعيق شفاء المريض ، او تضاعف مرضه ، او تفضي إلى الاصابة بمرض آخر. فالصيدلي الذي يحفظ الدواء ويعرف مركباته يبقى عاجزا عن المعالجة لأن المعالجة لا تكفي فيها معرفة الدواء، وإنما تتطلب المعرفة الدقيقة بحالة المريض وما يناسبه وما لا يناسبه من الدواء، والمقادير المطلوبة ، والزمان المقدر، والتوازن بين أكثر من دواء إلخ. فمنهج النقل والحفظ للخطاب الإلهي أقرب ما يكون إلى عمل الصيدلي ، ومنهج الفهم والفقه من هذا المنقول أقرب ما يكون شبها بعمل الطبيب ، وقد لا تفيد كثيرا كثرة الصيادلة ، ومعامل الدواء إذا انعدم وجود الاطباء ، لان ذلك قد يؤدي إلى وضع الدواء في غير محله، فيهلك المريض من حيث يراد له الشفاء والنجاة.

فالمشكلة اليوم ليست في عدم وجود العلاج، وإنما هي في عدم وجود المعالج، فالاسلام هو الدواء، والشفاء ، ولكن كيف نستعمل هذا الدواء ولمن نستعمله ، ومتى ؟ هذه هي المشكلة اليوم التي يعاني منها الواقع الإسلامي، وهي مؤشر مؤرق بسبب غياب فقهاء المجتمعات، وفقهاء التربية، وفقهاء التخطيط ، وفقهاء استشراف آفاق المستقبل، وفقهاء علوم الإنسان، فقهاء الحضارة عامة، الذين يشكلون عقل الأمة ، ويعرفون كيف يغترفون من هذا الإسلام، لمصلحة الأمة في واقعها المعاصر ، وكيف يتعاملون مع هذا الإسلام ، ويعودون بالأمة إليه.

ويصير الأمر أكثر لزوما بعد الاحباطات الكثيرة التي تعرض لها العمل للاسلام ، بسبب العجز الواضح في فقه الحركة والميدان، وإبداع البرامج العملية التي تترجم القيم والمبادئ الإسلامية وتنزلها على واقع الناس المعاصر، في ضوء رؤية ذات دراية وفقه ، وتتأكد وتتعاظم مسؤولية المشتغلين بالقضية الإسلامية في أن يطرحوا الأمر بجدية وموضوعية، بعيدا عن الحماس والتوثب ، وخروجا على الاسوار الحزبية وممالأة الجماهير، وردود الأفعال ، والأساليب التعبوية ، التي أدت دورها كاملا في مرحلة إعادة الانتماء للإسلام والتي باتت لا تفيد كثيرا في مرحلة الانطلاق الى الأمام.

لقد بقي شعار ترشيد الصحوة نظريا ، ونستطيع أن نقول: إن أعداء الإسلام أفادوا من رصد حركة الصحوة، ووضع استراتيجيات المواجهة، على المستوى السياسية ، والثقافي والأمني، أكثر من أصحاب الصحوة أنفسهم ، الذين عجزوا حتى الآن عن اغتنام الفرصة وحسن الإفادة منها.

لقد كانت الصحوة من بعض الوجوه فرصة لانكشاف مواقع العجز ، أكثر من أن تكون زخما عاقلا لعملية النهوض ، من هنا نرى أنه لا بد من العمليات الجراحية الجذرية لاستئصال العجز، والعدول عن المهدئات والمسكنات ، التي توهم العافية ولا تقدم العلاج، والعلاج إنما يكون بالاستيعاب المعرفي للعلوم الاجتماعية والانسانية كما أسلفنا لأن استيعابها أصبح ضرورة شرعية لازمة، لتحقيق المناط، كما يقول علماء الأصول،  ولامتلاك صفة الاجتهاد، في تنزيل شرع الله على الواقع البشري ، فالاجتهاد اليوم يقتضي فقهاء في الاختصاصات كلها، وإن الاقتصار على فقهاء معرفة الحكم الشرعي ، دون فقهاء معرفة محل الحكم، سوف لا يحقق إلا نصف المطلوب.

إن فتح أبواب الاجتهاد، على مصراعيها، لا شك أنه سوف يأتي بالغث والسمين، لكن عصمة الأمة بعمومها عن الخطأ ، وتواتر الوحي في الثوابت ، التي تحمي كيان المجتمع من العبث. وطبيعة التعدد والتباين بوجهات النظر، والتدافع ، يبدد الخوف، ويبقى الاصلح، وقد يكون من أهم عوامل تبديد الخوف الإدراك بأن الاجتهاد الفكري أو الفقهي هو كسب بشري ، قابل للفحص والاختبار ، والتصويب والتخطيء، والحوار والجدل ، وليس له صفة القدسية، أو على الأقل ليس هو الدين، وإنما هو فهم الإنسان للدين، وخطأ هذا الفهم لا يعني بحال من الأحوال خطأ الدين المعصوم، لذلك قد يكون لنا بعض التحفظ على كثير من المصطلحات الموهمة أن اجتهاد فلان هو الدين، فلا قدسية لرأي ولا اجتهاد، ولا كهانة في الاسلام، ولا حملة كتاب مقدس، ينطقون باسم الله. وإنما هي فهوم بشرية لتنزيل الإسلام على واقع الناس، معرضة للخطأ كما هي معرضة للصواب. وكل انسان يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر ، كما يقول الإمام مالك رحمه الله ، لأنه مسدد بالوحي ومؤيد به ، ولا شك أن كثرة الحوار حول الامور الفكرية والفقهية المطروحة، يبلور الصواب ، ويسدد الوجهة ، ومن هنا نقول : إن ما ورد في الكتاب من اجتهادات فكرية او فقهية تبقى قابلة للفحص والاختبار، والتحاور والتفاكر ، والتناظر والتشاور، ذلك أن فهم الإسلام ليس حكرا على انسان او جماعة او مؤسسة او منظمة او طائفة، او عصر ، عدا عصر النبوة، ولعل الكتاب الذي نقدمه بجزئيه يطرح مجموعة من القضايا الهامة للمناقشة التي تثير الجدل وتستدعي الحوار ، وتحرك العقول ، وتشحذ الفاعلية ، وعلى لارغم من أن بعض الرواد ، وفقهاء الدعوة المعاصرين ، طرحوا موضوع فقه التدين، ووضعوا له بعض المعالم والملامح، وفتحوا للعقل المسلم أكثر من نافذة ، ليطل منها المهتمون بالقضية الإسلامية. ولسوف يبقى لهم أجر السبق والدلالة على الخير، إلا أن الكتاب الذي نقدمه قد توفر على القضية، وأصلها بشكل منهجي ، وأحاط بها من جميع جوانبها ، إحاطة واعية.

فالكتاب محتاج إلى دراسة وتأمل وتدبر ، أكثر من كونه كتابا للقراءة ، لأنه كتاب في منهج الفهم، في وقت عزت فيه الدراسات المنهجية، ذلك أن مشكلة المسلمين اليوم تكاد تتحدد في منهج الفهم ، او منهج التناول والتعامل مع المصادر الاساسية ، من الكتاب والسنة ، ومنهج التعامل مع التراث ، وإعادة طرح كثير من المسلمات وتحرير القول فيها.

فلقد حمل سوق الصحوة التجاري الغث والسمين مما أ"لق عليه فكر اسلامي، ودخل ساحة الكتابة والتأليف من يحسن ومن يسيء تحت وطأة رواج الكتاب الإسلامي ، ولا شك أن بعض تلك الكتب والكتابات ساهمت سلبيا في التبعثر والإنهاك الفكري ، وأثري كثير من الكتاب مالياً، لكنه لم يثر العقل المسلم بفكر فاعل، ونخشى أن نقول : إن بعض الكتابات كرست العلل والأمراض والتخلف وعجزت عن التبصير بعوامل النهوض.

والله نسأل أن يلهمنا الإخلاص في القصد والصواب في العمل إنه نعم المولى ونعم النصير.

 

 

 

مقدمة

إن المتتبع لحركة الصحوة الإسلامية ، التي تسعى منذ بعض العقود الى ان يعاود الإسلام بسط سلطانه على جوانب الحياة كلها، يلحظ أن هذه الحركة لم تحقق من الثمار ، في أن تصير أحكام الإسلام واقعا في الحياة العملية للفرد والمجتمع ، مثلما حققت من ثمار ، في عودة الكثير من المسلمين إلى الوعي الصحيح بدينهم، وإلى فهمه الفهم الشمولي الموحد.

وليس من شك في أن مرحلة التنبيه تسبق منطقيا وزمنيا مرحلة التطبيق، في هذه الصحوة الإسلامية ، كما في كل دعوة مذهبية ، مما يسكب الوعي والفهم فرصا للنضج اكثر من فرص التطبيق العملي . وليس من شك أيضا ، أن تطبيق الأحكام الإسلامية في واقع الحياة الاجتماعية يواجه بصعوبات جمة ، في أنماط الانظمة القائمة في أغلب مناطق العالم الإسلامي ، لا على المستوى السياسي فحسب ، بل على المستوى الاجتماعي ايضا ، حيث استحكمت عادات وتقاليد وطرائق عيش ، بعضها موروث من عهود الانحطاط ، وبعضها وافد بالتقليد من حضارة الغرب ، وكلها تصر الاصرار الشديد على البقاء.

ولكن هذه الاسباب الموضوعية لا نراها الاسباب الوحيدة ، ولا حتى الاسباب الاقوى فعالية في تأخر الصحوة الإسلامية عن أن تثمر من الانفعال الاجتماعي العملي باحكام الإسلام أكثر مما أثمرت إلى حد الان ، ونحسب أن من الاسباب الاقوى التي ادت إلى ذلك ما يرجع إلى طبيعية المنهج الذي تنتهجه الصحوة في العمل على بسط سلطان الإسلام في الواقع العملي للحياة.

إننا نرى منهج الايقاظ والتوعية لغاية أن يعاود المسلمون الإيمان بدينهم والاعتزاز به كمنهج وحيد للحياة ، هو ذاته المنهج الذي يستعمل في كثير من الأحيان ، في الدعوة لأن ينخرط المسلمون عمليات في حياتهم الثقافية والاقتصادية والاجتماعية العامة، في نماذج محكومة بأحكام الإسلام ، ينسلخون بها من الأنظمة غير الإسلامية الضاربة عليهم ، وهو منهج ينحو منحى التعميم والتجريد ، وقد استحدث أصلا للتوعية والإقناع.

والحال أن العمل على تطبيق الاحكام الإسلامية في الواقع يحتاج إلى منهج آخر مختلف ، يكون مبنيا على فقه تطبيقي ، ليست غايته بسط حقائق الدين للإقناع ، وإنما غايته تسهيل الطريق لتلك الحقائق لكي تصبح جارية في حياة الناس. ويبدأ هذا الفقه من مرحلة الفهم ، حيث ينبني بمقتضاه فهم الدين عقيدة وشريعة على أنه حقائق ، ليست غايتها في ذاتها ، وإنما غايتها في صيرورتهاواقعا سلوكيا ، ثم يتم بذلك الفقه صياغة الاحكام الإسلامية صياغة تناسب معطيات الواقع المشخص ، الذي يعيشه المسلمون في ظرفهم الزماني والمكاني ، ثم يتم به بعد ذلك الإنجاز الفعلي لتلك الصياغة في شعاب الحياة المختلفة .

إن افتقار الصحوة الإسلامية إلى فقه منهجي ناضج لتوقيع الدين بحسب هذه المراحل هو الذي نراه سببا مهما في تأخر إثمارها في مجال التطبيق، ولذلك فإن الضرورة ملحة في سبيل ترشيد الصحوة ودفعها إلى غايتها ، لقيام فقه منهجي ناضج تمارس به دعوتها العملية لبسط سلطان الدين في مختلف مظاهر الحياة.

ولسنا ندعي أن في هذا الكتاب عرضا مستوفى لهذا الفقه المنهجي المرشد للصحوة عمليا ، فذلك لا يتم الا بتضافر جهود مخلصة من ذوي الكفاءة ، الذين يحملون هم الصحوة الإسلامية ، ويتحملون واجب ترشيدها، بل كل ما فيه إثارة للمشكل ، وتحسيس به ، ولفت الانتباه إليه ، عسى أن يكون مدعاة للاهتمام بفقه التدين ، والتفكير فيه ، من قبل من لم يكن على وعي به ، أو من لم يكن على اقتناع بجدواه ، حتى يصبح بذلك هذا الفقه  موضوعا للمطارحة التي تتقدم به في طريق النضج والإثمار.

هذا وإني لأدعو الله أن يجعل من صدق النية فيما أبديت من آراء ما يكون به التجاوز عما أكون قد وقعت فيه من خطأ ، وأدعو المخلصين من أهل الدين والعلم إلى تصويب ذلك الخطأ والتنبيه إليه فالمؤمن مرآة المؤمن، وفوق كل ذي علم عليم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

                                                       الدكتور عبد المجيد البخار

 

تمهيد

جاءت الرسل وحيا من الله تعالى بجملة من التعاليم التي تهدي حياة الإنسان في تصوره للوجود ، وفي تصريف سلوكه الفردي والجماعي ، فبينت له حقيقة ما هو كائن في عالم الغيب ، وبينت ما ينبغي أن يكون من سيرة له في عالم الشهادة. وذلك هو الدين الذي جاءت به الرسالات تترى ، حتى انتهت بالرسالة الخاتمة ، رسالة الإسلام التي ختمت الرسالات ، ومثلت الصورة النهائية الكاملة لها ، حتى كان الدين هو الإسلام ، كما جاء في القرآن الكريم على صيغة الحصر : ) إن الدين عند الله الإسلام( (آل عمران : 89).

وقد خوطب الإنسان بالدين لينفعل به في حياته انفعالات إراديا ، فيصدق بما جاء به من بيان في شرح حقيقة الوجود ، ومن ذلك يكون معتقده ، ويجري سلوكه على حسب ما جاءت به تعاليمه العملية ، ومن ذلك يكون شرعه في واقع حياته. وهذا الانفعال بالدين تصديقا عقليا وسلوكا عمليات هو التدين ، على معنى أنه تحمل الدين واتخاذه شرعة ومنهاجا. فالدين إذن هو التعاليم الإلهية التي خوطب بها الإنسان على وجه التكليف ، والتدين هو الكسب  الانساني في الاستجابة لتلك التعاليم ، وتكييف الحياة بحسبها في التصور والسلوك.

وبحسب هذا التعريف فإن حقيقة الدين تختلف عن حقيقة التدين ؛ غذ الدين هو ذات التعاليم التي هي شرع إلهي ، والتدين هو التشرع بتلك التعاليم ، فهو كسب إنساني. وهذا الفارق في الحقيقة بينهما يفضي إلى فارق في الخصائص ، واختلاف في الأحكام بالنسبة لكل منهما.

فالدين بما هو هدي الهي ، يتصف بالمثالية والكمال، فهو تعاليم يتمثل فيها الحق المطلق بناء على الكمال الإلهي في العلم الشامل بأحوال الوجود ، والمحيط بمصلحة الإنسان في مختلف منقلبات حياته . كما أن الدين ـ والحديث عن الدين الإسلامي ـ حقيقة مصوغة لهدي الإنسان مطلقا عن مقيدات وجوده الزمانية والمكانية، فهي في أوامرها ونواهيها تخاطب بالتكليف الناس كلهم على اختلاف أوضاعهم الذاتية من التفرد والاجتماع ، والقوة والضعف ، وبالداوة والتحضر ، وعلى اختلاف مواقفهم في المكان والزمان. إنها حقيقة تكليفية عامة للناس ، ليس فيها تخصيص عيني ولا ظرفي الا مستثنيات نادرة منصوص على التخصيص فيها(1) .

وكما أن تعاليم الدين عامة للناس فهي كلية في ذاتها، تنزع منزع التقعيد العام في الهدي ، ولا تقصد إلى ضبط الإرشاد في جزئيات الأفعال الانسانية في انواعها التفصيلية ، بله في أحادها العينية باستثناء بعض النوادر التي أتخذ منها في الغالب مقصد كلي عام ، وقد كان ذلك ملحظا مهما للإمام الشاطبي إذ يقول : «تعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلي لا جزئي ، وحيث جاء جزئيا فمأخذه على الكلية إما بالاعتبار أو بمعنى الأصل إلا ما خصه الدليل مثل خصائص النبي (صلى الله عليه وسلم)»(2)

أما التدين فإنه بما هو كسب إنساني في تكييف الحاية بتعاليم الدين يتصف بالمحدودية والنسبية ؛ ذلك لأن الإنسان في كسبه الديني يغالب عوائق الواقع المادية ، متمثلة في شهوات النفس من جهة ، وفي عناد البيئة الكونية في الاستجابة لمطالبة من جهة أخرى ، فإذا هو يحقق في التدين قدرا من مطلوبات الدين ، يتناسب مع ما يمضي فيه من الجهاد لترقية الذات ، وتزكية المجتمع ، واستثمار الكون اقترابا في ذلك من الله تعالى بما يبلغ من رضاه ، ولكنه على أية حال لا يبلغ في تدينه تحقيق الدين الكامل ، فإن طبيعته الذاتية وواقعه البيئي لا يسمحان ببلوغ تلك الدرجة ، وقدره أن يكون كادحا إلى ربه بالتنامي في التدين حتى يلاقيه في الدار الآخرة دون أن يبلغ من الدين مطلق الكمال(3) .

وليست المعاناة في التدين بناشئة عن مغالبة الواقع النفسي والمادي فحسب ، ولكنها مترتبة أيضا على ما صيغ به الدين من الكلية التي لا تعتب رفيها مشخصات الأفعال العينية والظرفية ، فذلك كان داعيا لكي يحقق الإنسان التدين بحسب التعاليم الكلية ، من خلال ما يتخذ لنفسه من أوضاع جزئية مشخصة في الواقع، ينبغي أن تكون مندرجة في تحقيق المقصد الشرعي ، ضمن التعاليم الكلية ، بمعاناة من الاجتهاد الدائب الذي لا تضمن الطبيعة البشرية أن يكون قطعي الإصابة ، بل هو عرضة للخطأ ، ولكن قدر الإنسان في التدين أن يكون كادحا إلى الله فيه كما هو كادح في مغالبة العوائق النفسية والمادية.

فالتدين إذن هو جهاد لإنجاز الدين ، فيه معاناة يكابدها الإنسان عبر واقعه الذاتي والموضوعي ، وفي ذلك الجهاد يصوغ من تصرفاته الفردية والاجتماعية والكونية ، في مكابدته لواقع النفس والمجتمع والكون أفعالا جزئية غير منحصرة يحقق بها كليات الدين ويقترب بها قدما من المثال الكامل ، على قدر ما يصيب في اجتهاده ، وما يخلص في جهاده ، في حركة  لا تستنفد أغراضها بتحقيق الكمال ، ولكن يتجدد زخمها ويشتهد بما يحسن الإنسان من اساليب التدين في تزكية النفس وتعمير الأرض.

وللدين فقه خاص ، لا يتحصل إلا به ، وهو تلك القواعد والطرائق التي بها يقع فهم المراد الإلهي في هدي الإنسان ، كما جاء به القرآن الكريم والسنة المطهرة . فالله تعالى خاطب العباد بالتكليف بطريق الوحي ، الذي كانت خاتمة حلقاته الوحي المحمدي . ولهذا الوحي المحمدي خصائص ومواصفات ، بعضها يرجع إلى صفة الخاتمية ، التي منها انبثقت صفة العموم والكلية ، وبعضها يرجع إلى طبيعة اللسان العربي ، الذي كان لسانا للوحي الخاتم. وتقتضي هذه الخصائص والموضفات آدابا معينة في فهم خطاب الله تعالى لعباده فيما كان مقصودا صريحا للشريعة ، وما كان غير صريح ، وفيما كان منصوصا عليه او غير منصوص عليه. وهي آداب تستمد قوامها من قانون لسان العرب ، ومن المقاصد الكلية للشارع ، ومن ظروف نزول الوحي ، بناء في ذلك كله على قانون العقل في الادراك . ومن ذلك كله يتكون فقه الدين ، الذي به يتم فهم المراد الإلهي في خطاب الشريعة.

لكن فقه الدين ليس بكاف في تحقيق الغاية التي من أجلها نزل هديا للنسا ؛ إذ الغاية منه تكييف الحياة ، في التصور والسلوك ، في واقعها الزمني ، في الاتجاه الذي يحقق الخلافة في الأرض،  وليس فهم التعاليم الدينية إلا المرحلة الضرورية ، التي تسبق منطقيا تكييف الحياة ، إلا أنها ليست بالضرورة مؤدية إليها باعتبار ذاتها ، فقد يحصل فهم الدين ، ولكن لا يحصل تطبيق الدين (أي التدين) على وجه قويم يؤدي إلى الغرض من الدين ؛ وذلك لأن التدين يستلزم هو أيضا لكي يكون قويما فقها خاصا ، هو فقه التدين ، كما أن فهم الدين يستلزم فقها خاصا هو فقه الدين.

إن التعاليم الدينية هي تعاليم مجرده كما ذكرناه آنفا ، فهي تهدي أفعال الإنسان على مستوى نوعها المجرد عن عناصر التشخص ، ولكن التدين يقتضي ان ينزل المكلف تلك التعاليم المجردة على أفعاله العينية ، بمعطياتها الزمانية والمكانية ، وبحيثياتها  التشخيصية ، وهو ما يستلزم جملة من الآداب التي تيسر ذلك التنزيل ، وتجعل الفعل المشخص منفعلا بالمبدأ الكلي المجرد ، وتلك الآداب هي التي نعنيها بفقه التدين.

وقد يبدو لبعضهم أنه إذا حصل فقه بالدين وإيمان به ، كان ذلك كافيا بذاته لأن ينصلح به واقع الافعال الانسانية بصفة آلية ، فلا تكون لذلك حاجة لفقه غير فقه الدين ، ولا يخلو خطاب بعض الدعاة اليوم من أثر لهذه الوجهة ، في دعوتهم إلى الاصلاح الديني ، إلا أن التعمق في فهم طبيعة الحياة الانسانية ، وعلاقتها بالمبادئ والمثل ، والتعمق في فهم آداب الفقه الإسلامي في عهود نضجة وازدهاره ، يفضي إلى الاقتناع بأن إنجاز التدين في الواقع الزمني يحتاج إلى فقه خاص زائد عن فقه الدين ، وهو فقه التدين.

ولعل هذا الفقه اشد تعقيدا ، وأكثر صعوبة من فقه الدين ؛ لأن هذا الاخير يكون دائرا على العلاقة بين مصدر الدين قرآنا وحديثا ، وهو منضبط في خصائصه ومواصفاته ، وبين العقل المدرك ، وهو منضبط في قانونه الإدراكي . أما فقه التدين فإنه يدور على العلاقة بين عناصر ثلاثة ، تضم إلى جانب العنصرين السابقين عنصر واقع الحياة الانسانية، وهو عنصر شديد التعقيد في أسبابه  وتفاعلاته وملابساته، فكان بذلك متأبيا عن الانضباط المنطقي المطرد ، نزاعا إلى الخصوصيات المستأنفة بحسب تغاير الظروف والأفعال وهذا ما يجعل فقه التدين أقل حظا في الاطراد المنضبط من فقه الدين ، وبذلك يكون أكثر صعوبة وتعقيدا.

وقد أشار الإماي الشاطبي إلى هذا المعنى فيما سماه بالاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط، وقال فيه : إنه اجتهاد لا يمكن ان ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف ، وذلك عند قيام الساعة ، كما قال فيه : إن «معناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي ، لكن يبقى النظر في تعيين محله … ويكفيك من ذلك أن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعداد لا تنحصر ، ومع ذلك فلكل معين خصوصية ليست في غيره ولو في التعيين نفسه ، وليس ما به الامتياز معتبرا في الحكم بإطلاق ، ولا هو طردي بإطلاق ، بل ذلك منقسم إلى الضربين ، وبينهما قسم ثالث يأخذ بجهة من الطرفين ، فلا يبقى صورة من الصور الوجودية المعينة ، إلا وللعالم فيها نظر سهل أو صعب ، حتى يحقق تحت أي دليل تدخل ، فإن أخذت بشبه من الطرفين فالأمر اصعب»(4)

والاجتهاد المتعملق بتحقيق المناط ، كما شرحه الشاطبي ، هو ما يساوي تقريبا فقه التدين ؛ إذ هو الذي يكون به تكييف الأفعال والأحداث الجزئية على حسب مقتضيات أحكام الدين الكلية . وقد بين الشاطبي أيضا أهمية هذا الفقه في حركة الحياة الانسانية ، وفق التعاليم الإسلامية فقال : «لو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد لم تنزل الاحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن ؛ لأنها مطلقات وعمومات ، وما يرجع إلى ذلك منزلات على أفعال مطلقات كذلك ، والفعال لا تقع في الوجود مطلقة ، وإنما تقع معينة مشخصة ، فلا يكون الحكم واقعا عليها إلا بعد المعرفة بأن هذه المعين يشمله ذلك المطلق أو ذلك العام»(5) .

ولو عدنا إلى التراث الفقهي الإسلامي ، في عهد ازدهاره خاصة ، لوجدنا فيه صورة ناضجة لفقه التدين ؛ غذ المذاهب الفقهية في نشأتها وفي تطورها ، ليست إلا اجتهادات الأئمة في تنزيل الدين على واقع الحياة، بما تقتضيه الظروف المختلفة ، زمانا ومكانا ولذلك تلونت هذه المذاهب بألوان الاوضاع البشرية في المناطق التي نشأت فيها ، رغم أنها تقوم كلها على تنزيل الأوامر الإلهية الثابتة . ويظهر هذا المعنى جليا في كتب الفقه للأئمة المجتهدين ، وكتب تلاميذهم ، قبل القرن الاربع خاصة ، ما يظهر أيضا في كتب النوازل والفتاوى ، حيث تنطق هذه الكتب بالكيفية التي جرت عليها الملاءمة بين أحكام الدين ، وبين أحداث الحياة.

وعلى مستوى التنظير لفقه التدين زخر الأدب الأصولي الفقهي بجهود وضيئة ، في ضبط قواعد لهذا الفقه ، يعتبرها الفقيه عند تنزيله الأحكام على والواقع ، موازية لتلك القواعد ، التي يعتبرها عند فهمه للدين من أصوله . ولعل من أبرز الأبواب الأصولية التي كرست لفقه التدين هو باب مقاصد الشريعة ، الذي اصل البحث فيه وانضجه الإمام الشاطبي في كتابه «الموافقات» ، ثم استأنف فيه التأصيل والإنضاج الإمام محمد الطاهر بن عاشور في كتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية».

ولا يخفى ان الفقه الإسلامي لم تدم جولة مده الحي طويلا ، غذ سرعان ما آل أمره إلى التقليد ، والاكتفاء بما اجتهد فيه كبار الأئمة في التنزيل ، كما أن علم اصول الفقه تكاد تكون حركته الإنتاجية قد توقفت مع الإمام الشاطبي ، وهو ما كان سببا في ضعف فقه التدين عند المسلمين ، إذ انحسر رافده التطبيقي المتمثل في الفقه المتنامي ، كما انحسر رافده التنظيري المتمثل في الحركة التطورية لأصول الفقه . ودام ذلك في واقع الفكر الإسلامي زمنا طويلا ، كان فيه قاصرا عن أن يصوغ من الأوامر الإلهية مشروعا واقعيا ، يصوب حياة المسلمين إلى الوجهة الصحيحة في الاستخلاف والتعمير ، وذلك بما فقد من الآداب في فقه التدين ، الذي به يكون مثل ذلك العمل.

وفي هذا العصر وجد المسلمون حياتهم تجري في كثير من مجالاتها على غير هدي من الدين ، بما كسبوا من تخلف حضاري أبعدهم بذاته عن الأخذ ببعض التعاليم ، في جوانب من حياتهم ودفعهم بما احدث فيهم من انهزام ي الارادة ، إلى احلال توجيهات من الثقافة الغربية ، محل التوجيه الديني في جوانب أخرى ، حتى أصبح سلوكهم الفردي والجماعي مخلوطا فيه الحق بالباطل ، والباطل فيه أظهر ، سواء في مجال التزكية للذات او في مجال التعمير في الأرض.

وقد قامت الحركات الاصلاحية الدينية ، تبشر بالعودة إلى قيومية التعاليم الدينية على سلوك المسلمين ، وحققت نتائج هامة في الاقناع بذلك ؛ إذ حركت النفوس الكثيرة إلى ان تجعل من الدين السلطان الهادي في كل عمل ، وأصبح ذلك ظاهرة متنامية في العالم الإسلامي ، متمثلة فيما اصطلح عليه بالصحوة الإسلامية.

ولكن لما رجع المصلحون ، ومن استجاب إليهم إلى ما به يكون استئناف الحياة الإسلامية وفق تعالمي الدين في ساحة الواقع الراهن لم يجدوا من أدب التنزيل ، وفقه التدين ، ما يحقق الإصلاح المنشود ، لا على مستوى القواعد والمناهج في ذاتها ، بل على مستوى الإمكانية الفكرية للوعي بها ، واستئناف انتاجها أيضا. ولا رغو فإن سند هذا الفقه انقطع في الأمة أو كاد طيلة عهود الانحطاط ، التي تعطل فيها الاجتهاد.

وقد كان هذا الأمر بمنزلة الإحباط المضمر، الذي شعب مواقف المنخرطين في الصحوة الإسلامية ، شعبا مترددة بين اليأس والرجاء ، وبين السطحية المتعجلة ، والوعي المتأني ، إلى ما يقارب التردد. فسقط بعضهم في الرفض لواقع المسلمين ، والانسحاب منه ، وحلموا ببناء مستقل لواقع جديد، خالص من أدران الجهالة ، متمحض لتنزيل الدين في صورة الكمال ، واستيسر آخرون الحل ، فرأوا أنه لو أزيلت عقبات سياسية ، لأمكن تحويل المجتمع الإسلامي طرفة عين ، إلى مجتمع متدين ، على درجة عالية من التدين . وأدرك آخرون ما عليه الأمر من تعقيد ،  يستلزم فقها عميقا شاملا في تنزيل الدين على واقع المسلمين، ولن إنجاز هذا الفقه لم يتم بعد ، ولعل طلائعه الأولى بدأت تلوح في جهاد بعض الحركات الإسلامية.

والمتأمل في واقع المسلمين اليوم يجده واقعا في غاية التعقيد ، فقط اختلط فيه الحق بالباطل ، في صورة التدين التي هو عليها ، إذا استصحب جوانب من الحياة خاضعة لسلطان الدين ، ولكن جوانب أخرى غشيتها الجهالة ، فندت عن ذلك السلطان ، واندرجت تحت سلطان الهوى ، أو سلطان الثقافات الوافدة ، الشديدة الوطأة بثقل الحضارة الغربية الغالبة ، وقد تشابكت في انتاج هذا الواقع عوامل نفسيه واجتماعية وحضارية وتاريخية متداخلة ، صنعت كلها ظرف تشديد في التأبي على إرادة الإصلاح.

وبالنظر إلى هذا التشابك المعقد في واقع المسلمين ، فإن الواجب يبدو أكيدا إلى نفير المفكرين الاسلاميين ، للنظر المجدد في فقه منهجي ، يهدف إلى المساعدة على تخليص الواقع الإسلامي في مجالاته المختلفة ، من مظاهر الزيغ عن السلطان الديني ، ودفعه إلى وضع من التدين الشامل ، يزكو به المجتمع ، في سيرورته الخلافية في خطيها : ترقية الذات ، وتعمير الأرض . وإن في الأدب الفقهي المنهجي للتدين ، بل هو في الحقيقة ليس إلا نفسا مستجدا لذلك الأدب ، يتجاوب مع مستجدات الواقع الراهن. كما أن في الكسب الإنساني من العلوم المختلفة معينا على التقدم في هذا العمل المأمول العظيم الشأن ، وليست التجربة التي اكتسبها العاملون الإسلام فكرا وحركة خلال قرن مضى ، بأقل أهمية من العاملين السابقين ، في النهوض بهذا المشروع المطروح على الفكر الإسلامي.

وليس ما سأطرحه تأليا في هذا البحث سوى إثارة لقضية فقه التدين ، التي ظلت تشغل الذهن ، وتشكل هما من همومه ، انعكس من التأمل في واقع الدعوة الإسلامية ، فيما تلاقيه من عوامل النجاح وعوائقه ، وهو هم يسعى إلى أن يجد له متنفسا في حل نضيج ، ولكن ضعف المنة في هذا المجال ، يجعله لا يظفر إلا بما يشبه الخواطر المثيرة ، التي تفيد في إبراء الذمة ، أكثر مما تفيد في الدفع إلى انجاز هذا المشروع الكبير ، ولا شك أن فقهاء الصحوة الإسلامية ، على وعي عميق بأهمية هذا المشروع ، وأن كثيرا منهم يتوفر على كفاءة عالية للنظر المستجد في فقه التدين ، بل بعضهم قد شرع في ذلك عمليا، فهذه صيحة حادية للمضي في إنجاز هذا الفقه وإنضاجه ، فإن عليه يتوقف إلى حد كبير تغيير الواقع الاسلامي ، نحو الاندراج المتنامي في سلطان الدين الحنيف.

وأحسب أن فقه التدين ، بما هو منهج لتنزيل الدين على الواقع ، ينبغي أن يتأسس على محاور ثلاثة رئيسية هي : الفهم ، والصياغة ، والإنجاز.

اما الفهم ، فهو فهم الدين ، باعتباره تعاليم هادية إلى الحق . وفهم الواقع الإسلامي ، الذي يراد إصلاحه . فلما كان هذا الفهم شرطا ضروريا للتدين وجب أن يوصل فيه البحث من جهة كونه فهما لأجل التنزيل ، وما يقتضيه ذلك من أسس للفهم ومن قواعد فيه ، سواء فيما يتعلق بفهم تعاليم الدين من اصولها ، او بفهم واقع المسلمين في مكوناته المتشابكة وابعاده المختلفة.

وأما الصياغة ، فهي اعداد التعاليم الدينية في هديها المطلق لتكون مشروعا مقدرا على قدر الواقع الزمني ،الذي يراد إصلاحه ، بحيث يكون مؤسسا على الهدي الديني ، ومعتبرا فيه خصائص الواقع ، حتى يكون قابلا للتنزل عليه ، والفعل الايجابي فيه ، وذلك ما يشبه عمل المهندس المعماري ، حينما يصوغ مشروعا معماريا يبنيه على أصول من حقيقة العلم الرياضي والفيزيائي ،  ويعتبر فيه خصائص البيئة التي سيقام فيها المشروع.

وأما الإنجاز ، فهو التنزيل الفعلي للمشروع ، الذي وقعت صياغته من حيث الكيفية التي يكون عليها ذلك التنزيل ، والوسائل التي يتم بها ، والمسالك التي ينبغي ان يسلكها، والآداب التي تضمن حسن الأداء ، وتقضي بالتالي إلى أن يؤتي المشروع أكله ، في اندراج السلوك الفردي والاجتماعي في الهدي الديني.

تلك  محاور ثلاثة سنحاول فيما يلي شرحها بما يتيسير من معونة الهادي المبصر بالحق ، ومن لم يهد الله فلا هادي له.

 

الباب الاول

في فقه الفهم

تمهيد

التدين كما ذكرنا سباقا ، هو انفعال الواقع الانساني بالتعاليم الإسلامية انفعالات مقصودا، تحدثه إرادة الإنسان على سبيل التكليف الملزم .فعناصره المتفاعلة إذا هي : واقع الحياة الانسانية المتمثلة في تصوراته الذهنية ، وفي سلوكه ، ونظم حياته ، وسعيه في تدبير معاشه . ومنظومة متكاملة من التعاليم الموجهة للتصور والسلوك معا وإرادة انسانية تكيف التصور والسلوك بحسب تلك التعاليم.

ومن السنن الجارية في العمل الإرادي للإنسان ، أن تقويم أي موضوع واقعي ، مادي كان أو معنوي ، بحسب مبدأ نظري ، لا يتم على الوجه المطلوب ، المفضي إلى الانفعال المبتغي ، إلا إذا انبنى ذلك التقويم على العلم بطبيعة وخصائص الموضوع الواقعي ، والمبدأ النظري معا ، وكلما كان ذلك العلم دقيقا وشاملا ، كلما كان انفعال الموضوع بالمبدأ أوفق وأكمل ؛ وذلك لأن العلم بحقيقة كل منهما وخصائصه هو الذي تبنى عليه الخطة العملية في المعالجة ، وفيما يقع بمقتضى ذلك العلم المزاوجة بين المتناسب من العناصر في الطرفين فيتم الانفعال المطلوب.

وهذه السنة ماضية في قضية الحال، قضية التدين في طرفيها الرئيسين : تعاليم الدين ، وواقع الإنسان. فلا حظ للتدين في أن يكون قويما مصلحا للإنسان، إلا إذا انبنى على فهم عميق لتعاليم الدين من جهة. ولواقع الإنسان من جهة أخرى ؛ وذلك لأن هذا الفهم هو الذي سيكون أساسا للخطة التي تعالج واقع الإنسان ليتكيف بالتعاليم الدينية. ومثال ذلك أن من التعاليم الإسلامية أن يكون أمر المسلمين شورى بينهم في شؤون الحكم ، فالتدين بهذا الأمر الإلهي يقتضي أولا : فهم حقيقة الشورى المطلوبة ، وتحديد عناصرها وأبعادها، ثم يقتضي ثانيا: فهم واقع المسلمين من حيث وضعهم الاجتماعي ، وحظهم من البداوة والتحضر ، ومن الأمية والتعلم ، ومن التقارب والتفرق في المنازل . وعلى ضوء ذلك كله يقع ضبط الشكل الملائم للتدين بواجب الشورى ، ولو فهمت الشورى على غير حقيقتها ، أو أهملت بعض عناصر الواقع في وضع المسلمين ، لجرى التدين بالشورى على نحو لا يؤدي إلى المصلحة المقصودة منها.

Dernière mise à jour de cette page le 24/03/2006

Créer un site internet gratuit avec E-monsite.com - Signaler un contenu illicite - Voir d'autres sites dans la catégorie Pages personnelles
Videos Droles - Clips musique - Cours création de site web