|
تأملات قرآنية في المنهج للعلامة السيد محمد حسين فضل الله |
.الثابت والمتغير في فهم النص القرآني
.المنهج العلمي والعقلي في القرآن
.السلطة والاستقامة وإمكانية التعايش في القرآن
.القرآن أولا ثم السنة
.ترتيب آيات القرآن والصيانة من التحريف
.الحكمة في لبقرآن الكريم
.
للقرآن ـ في ثقافتنا الإسلامية ـ دور الأساس من حيث هو المصدر المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقد أجمع المسلمون على أن التحريف لم يقترب منه، وإذا كان البعض يتحدث عن بعض ألوان الزيادة أو النقصان انطلاقاً من بعض الأحاديث التي لا يثبت سندها أمام النقد ولا يصمد مضمونها أمام المحاكمة، فإنه لم يستطع أن يفرض رأيه على الواقع القرآني. فليس هناك، في شرق العالم وغربه، نسخة أخرى للقرآن غير هذه النسخة المتداولة، مع اختلاف الطوائف الإسلامية، ما يجعل من الحديث عن ذلك حديثاً لا يتصل بالواقع الإسلامي من قريب أو بعيد.
وإذا كانت بعض الكلمات تنسب هذا الاتجاه إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام، فإن الأحاديث المتواترة عن الأئمة من أهل البيت تصرح بأن ((كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف)) ((وإنّ على كل حق حقيقة وإن على كل صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه)) الأمر الذي يدل على أن منهجهم في توثيق الأحاديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعنهم هو العرض على الكتاب، وليس المقصود به إلا الكتاب الموجود بين أيدي المسلمين، فكيف يمكن أن يكون المرجع محرفاً، وهل يمكن أن تؤخذ الحقيقة الأصلية مما لا يملك وثاقتها؟
وإذا كان للقرآن هذا الدور الأصيل في ثقافتنا الإسلامية، فلا بد أن يكون هو المصدر الأساس في مفاهيمنا في العقيدة والشريعة والحياة، لنرجع إليه في كل ما اختلفنا فيه، مما اختلفت فيه الآراء والأهواء، بحيث ننفتح عليه في كل مرحلة من مراحلنا الثقافية التي تفرض علينا الكثير من الجدل حول هذا المفهوم الإسلامي أو ذاك، فيما يحكم الوجدان العام للمسلمين في أي شأن من شؤون الحياة والإنسان، فلا نلتزم هذا المفهوم من خلال فهم العلماء السابقين، بل نعمل على تجديد دراسة النص القرآني من خلال المعطيات الفكرية الجديدة التي تطرح أكثر من علامة استفهام، الأمر الذي يفرض إجابات معاصرة لم يكن للقدماء عهد بها، فربما وجدنا في ظواهره معنىً لم ينتبه إليه السابقون، وربّما كانت اجتهاداتهم في فهم ظواهره منطلقة من ذهنياتهم المليئة بالأعراف العامة التي تحكم منهج التفكير آنذاك، وربما غابت عنهم بعض المقارنات بين آية وآية أو بين ظاهر وظاهر، فنكتشف شيئاً جديداً لم يكتشفوه، فلا قداسة للقديم من خلال قدمه، فكم ترك الأول للآخر.
لذلك لا بد لنا من اعتبار الثقافة القرآنية ثقافة متحركة في المسألة الفكرية، بحيث تطل على حركة التطور المعاصرة في قضاياها وحاجاتها وتعقيداتها، فلا يكون القرآن غريباً عن مواجهتها ومعالجتها ومقاربتها، تماماً كما لو كان القرآن نزل في هذا العصر، لأنه يجري مجرى الشمس والقمر، والليل والنهار، كما جاء في أحاديث أهل البيت(ع)، فلا يتجمد في ظروف الزمان والمكان التي فرضتها أسباب النزول، لأنها في ما صح منها، تمثل المنطلق لحركة الآية في الواقع في مضمونها الذي يتجاوز خصوصياته لينفتح على إعطاء القاعدة والمبدأ والخط على مدى الزمان والمكان والناس، ولا يقتصر على المورد الذي أنزلت فيه الآية، وقد قال الفقهاء أن المورد لا يخصص الوارد.
إن حركة الاجتهاد في فهم القرآن تبقى حيّة منفتحة على كل جديد، لأن النص القرآني لا يمثل ـ في أغلب آياته ـ النص الصريح الذي لا يلتقي مع الاحتمال المخالف، بل يمثل الظهور الذي هو حركة في الظن الذي يقارب الاحتمال، وليس معنى في القطع الذي لا مجال فيه لاحتمال آخر.
وفي ضوء ذلك، قد يجد الإنسان الفرصة في فهم الظاهر بما لم يصل إليه الآخرون، وقد يلتقي الباحث المفكر ببعض الجوانب في هذا النص مما لم ينتبه إليه الباحث الآخر الذي قد يكون نظر في القضية من جانب آخر.
ولذلك، فإننا ندعو إلى تفاسير جديدة من خلال فهم جديد ومعاصر، ولست أقصد بذلك أن تكون الجدّة عقدة ضعف نعيشها في حاجتنا إلى الإجابة عن أسئلة العصر لنتكلف الجديد من خلال التأويل الذي لا يحتمله النص، أو محاولة إدخال كل النظريات العلمية الطبيعية والاجتماعية والنفسية في المدلول القرآني بالدرجة التي لا يحتملها المعنى في الآية، كما لاحظناه في بعض التجارب التفسيرية التي حاولت أن تجد في كل كلمة (الذرة)، مثلاً، حديثاً عن علم الذرة أو نحو ذلك.
فإن فشل هذا المنهج قد يدخل القرآن في متاهات فكرية لا تخدم الحقيقة الإسلامية، لأن النظرية قابلة للخطأ وللصواب، فهي لا تمثل الحقيقية العلمية الحاسمة، فكم من النظريات التي كانت تمثل البديهة العلمية لدى جيلٍ من الناس أصبحت تمثل الخرافة لدى جيل آخر، فلا يمكن إخضاع القرآن لها، مع الملاحظة المهمة في هذا الاتجاه، وهي أن التفسير عبارة عن استنطاق النص من خلال مدلوله اللغوي أو العرفي من دون أي تكلف تأويلي إلا بحسب القرائن المحيطة بالنص في نطاق قواعد المجاز والاستعارة والكناية التي هي الخط البلاغي لحمل اللفظ على ظاهره من خلال الظاهر الثانوي الجديد بفعل القرائن الواضحة. وإننا إذ نؤكد هذه الفكرة، فإننا لا نمانع في وجود الكثير من الإيحاءات العلمية في عالم الطبيعة والإنسان، والمفاهيم الاجتماعية والنفسية، ولكن لا بد من محاولة الوصول إلى طبيعتها وتفاصيلها من خلال منهج دقيق يلتقي بالفكرة في المدلول اللفظي على أساس القواعد الثابتة في اللغة العربية في فهم المضمون، مع إبقاء الاحتمال لفهم جديد.
توثيق السنّة ضرورة إسلامية:
وإننا في تركيزنا على هذا المنهج في فهم النص القرآني، لا نريد إغفال السنّة التي هي المصدر الثاني المعصوم في وعي الحقيقة الإسلامية، لأنها صادرة عن النبي الذي {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى}[النجم/3ـ4] ولأن الله خاطب عباده في كتابه بقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}[الحشر/7].
ولكن المشكلة في السنّة هي مشكلة توثيقها من حيث إثبات صدور الحديث عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وعدم صدوره، لا سيما إذا عرفنا أن السنّة لم تدوّن في عهد النبي وعهد الصحابة، بل كانت مخزنة في صدور الرواة الذين قد يكونون ـ مع امتداد الزمن ـ عرضةً للخطأ والنسيان، بالإضافة إلى التعقيدات الواقعية في المجتمع الإسلامي التي دفعت بالوضع والدسّ في الأحاديث إلى الواجهة، كما نجده في الإسرائيليات وفي الأحاديث المتضمنة للكثير من المفاهيم التي كانت حاجة لبعض الأوضاع السياسية المتحددة في الواقع الإسلامي في تقويم هذا الشخص أو ذاك بشكل إيجابي أو سلبي، ليكون ذلك حجة في ساحة الصراع، الأمر الذي جعل مسألة الاستيثاق مسألة صعبة، ولهذا بذل العلماء جهداً كبيراً في عملية التوثيق للسنة من خلال التدقيق في أحوال الروايات، ومضمون الرواية بحيث تحوّل ذلك إلى علوم جديدة مثل علم الرجال)) و((علم الدراية)) و ((علم الحديث)).
ولكن هذه الجهود لم تصل إلى نتيجة حاسمةٍ لا تقبل الجدل، فما زال النقاش دائراً بين العلماء في وثاقة هذا الراوي أو ذاك، أو في انسجام هذا المضمون الحديثي مع العقل أو القرآن وعدم انسجامه، حتى أن البعض من علماء الحديث لا يجد وثاقة حاسمة في الأحاديث الواردة في الصحاح المتعددة التي اشتهر الحكم بصحتها، حتى اعتبرها البعض ((ثاني كتاب الله))، بحيث لم يناقش أحد في صحة أي حديث يرويه البخاري أو مسلم أو غيرهما، انطلاقاً من الثقة بتصحيح مؤلف هذا الصحيح أو ذاك، وقد بدأ الجدل الحادّ يفرض نفسه على هذه المداخلة الجديدة التي قد تكون مفيدة للفكر الإسلامي، لأن الالتزام الحاسم بصحة كل الأحاديث الواردة في الصحاح من دون مناقشة قد يفرض علينا بعض المفاهيم التي قد تختلف مع القرآن أو مع الحقيقة العلمية الحاسمة مما لا يمكن نسبته إلى النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
ويؤكد هؤلاء بأن وثاقة المؤلف وتدقيقه لا يصل بالقضية إلى مستوى البديهية، بل يصل إلى الوثاقة الشخصية، بمعنى أن المؤلف انطلق من حجة معذرة له أمام الله، ولكن يمكن لغيره أن يكون له رأي آخر في هذا الراوي أو هذا الحديث، وقد يجد بعض المتحمسين أن هذا الرأي يسيء إلى الإسلام لأنه يصادر الكثير من الأحاديث المأثورة المتضمنة للمفاهيم الإسلامية في شؤون العقيدة والشريعة والحياة، ويؤدي إلى التشكيك في السنّة، فلا يبقى منها إلا الشيء القليل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
ولكننا نتصور أن القضية ليست بهذا المستوى من السلبية، لأن المسألة المطروحة ترتكز على إبقاء الاجتهاد مفتوحاً في توثيق الأحاديث في الصحاح وغيرها، لا في إلغاء الأحاديث كلها، وربما يؤدي ذلك إلى نفس النتيجة التي يلتزمها الصحاحيون أو إلى ما يقرب منها.
إن القضية التي تفرض نفسها علينا، هي تأصيل المفاهيم الإسلامية من خلال توثيق مصادرها، حتى لا يكون تقديس الرجال على حساب قداسة المضمون الفكري الإسلامي، الذي قد لا يكون قريباً إلى الصواب إذا صادف أن الراوي للحديث لم يكن في مستوى المسؤولية، وقد رأينا _ في تاريخ الحديث ـ أن بعض الناس الذين يحملون أفكار الغلوّ والزندقة، كانوا يلجأون إلى استعارة كتب الرواة الموثوقين، فيدسون فيها الأحاديث الملائمة لأفكارهم، ويتقنون تقليد الخط بحيث لا يلتفت إليها حتى الراوي نفسه الذي يسلّم كتابه إلى الرواة عنه ليكتبوها باعتبار أنها رواية الثقة، فقد جاء في بعض أحاديث الإمام الصادق(ع) عن شخص يدعى أبا الخطاب محمد بن مقلاص، أنه كان يدس الأحاديث في كتب أصحاب الإمام محمد الباقر، فيدخل فيها أحاديث الكفر والغلوّ والزندقة، وهذا ما جعل الرواة يعرضون الأحاديث الموجودة لديهم على الأئمة المتأخرين كالإمام علي بن موسى الرضا، كما كانوا يرفضون كتاب الحديث وروايته من الكتاب، بل يطلبون من الراوي أن يحدثهم به شفاهاً، لاحتمال الدس في كتابه.
إن السنّة هي مصدر أساس في الإسلام، ولكن توثيقها لا بد أن يخضع لمحاكمة دقيقة، لا سيما إذا كانت تتضمن تفسيراً لكتاب الله بما يخرجه عن ظاهره أو يفيض في تفاصيله فيبتعد بالمضمون عن مساره الفكري الحقيقي، الأمر الذي يبدل صورة القرآن في الوجدان، ويحوله إلى كتاب يتلاعب به أصحاب العقائد والأهواء من خلال الأحاديث التي تكتسي قداسة من ورائها، فيفرضون على الإسلام مفاهيم منحرفة، وعقائد ضالة، وآراء خاطئة قد تطال العمق للفكر الإسلامي، لأنهم كانوا إذا لم ينجحوا في تأويلهم الاجتهادي للقرآن، يجدون سبيل النجاح الأفضل في تحويل أفكارهم وعقائدهم إلى أحاديث شريفة يضعونها تبعاً لأهوائهم أو أهواء النافذين في هذه المرحلة أو تلك.
وهذا هو الذي نلتقي به في الكثير من أحاديث التأويل والتفسير الباطني الذي يفسر الكلمة يغير معناها من دون دليل من العقل أو النقل، بحيث يحوّلون القرآن إلى كتاب رمزي لا يراد منه ظاهره، لأن ألفاظه تتحول إلى مصطلحات خاصة ذات رموز معينة لا يعلم تاويلها إلا الله والراسخون في العلم، كما يفسرون هذه الفقرة من الآية.
وقد أساء هذا الاتجاه إلى العقيدة الإسلامية والمفاهيم القرآنية، ما أدّى إلى تجميد القرآن في أشخاص معينين ودوائر محدودة، مع عدم السماح بأية مناقشة فكرية أو حديثية أو قرآنية، لأن قداسة الأفكار الشائعة من خلال الأحاديث تمنع العلماء من مناقشتها، فإذا تجرأوا عل مناقشتها وإثارة علامات الاستفهام حولها، فإن الاتهامات بالانحراف عن المذهب والخروج عن الدين، والاستغراق في التفكير المادي، هي الرد الذي يوجه لهؤلاء العلماء في أسلوب غوغائي لا يلتقي بالحق من قريب أو بعيد.
وقد درج بعض المفسرين على إخضاع الآية في مضمونها للأحاديث الواردة في موضوعها من دون تأكيد على صحة الأحاديث من حيث السند أو من حيث المتن، الأمر الذي أدى إلى اختلال الظهور البارز في الآية بشكل واضح.
إننا لا نمانع في قبول القاعدة المنهجية، وهي أن الكتاب قد يخصص بالسنة المتواترة القطعية أو بالسنّة الظنية الثابتة بخبر الثقة، وقد يحمل على خلاف ظاهره كذلك، ولكن مع إثارة القرينة التي تؤكد إرادة المعنى غير الظاهر، لأن فقدانها يبتعد بالطريقة التعبيرية عن الانسجام مع القواعد البلاغية الثابتة لدى أهل اللغة، فإنهم يرون أن إرادة خلاف الظاهر لا بد أن يخضع في دلالة اللفظ إلى قرينة عقلية أو لفظية مقارنة له أو قريبة إلى جوّه تصرف اللفظ عن ظاهره، فلا موقع للحالة الخالية من الدليل المضادّ لإرادة الظاهر.
ولعل الانطلاق من هذا المنهج في المسألة التفسيرية يؤدي إلى التخلص من الكثير من الأحاديث المفسرة للآية من دون دليل على التفسير ، من اللفظ أو من السياق أو من الجو المحيط به.
وهناك نقطة مهمة لا بد من إثارتها في المنهج، وهي أن الآية قد تفسر الحديث وتحصره في دائرتها المحدودة، بدلاً من أن يجذبها إلى دائرته الواسعة التي تتجاوز مدلولها الظاهر، وذلك إذا ورد حديث يدل على الاستدلال بالآية على موضوع واسع في الوقت الذي تضيق الآية في مضمونها عنه، فإننا نرى أن الآية تضيق دائرته بدلاً من توسيع الحديث لمدلول الآية.
مثال ذلك، جاء في الأحاديث المأثورة، في تفسير قوله تعالى:{واجتنبوا قول الزور}[الحج:30].
قال: الغناء، وفي قوله تعالى: {والذين لا يشهدون الزور}[الفرقان:72] قال: الغناء وفي قوله تعالى:{ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً}[لقمان:6] قال الغناء. فإننا نلاحظ في مدلول ((قول الزور)) و((لهو الحديث)) أنه ظاهر في الغناء المشتمل على كلام باطل، أو حديث يؤدي إلى اللهو الذي يضل عن سبيل الله، وبذلك تكون الآية دليلاً على حرمة الغناء في هذه الدائرة المحدودة، فلا تشمل الغناء المشتمل على كلام الحق كالمناجاة أو المدائح النبوية، أو القضايا السياسية والاجتماعية والوجدانية المعبّرة عن مضمون مفيد للإنسان ومنسجم مع الخط الإسلامي الأصيل، كما يوحي الاستدلال بالآية، من خلال هذا المفهوم، على حرمة الغناء، أنه ليس محرماً بذاته، بل بلحاظ انطباق هذه العناوين القرآنية عليه.
ولكن بعض الفقهاء حاولوا أن يركزوا على الصوت اللهوي أو اللحن الباطل بعيداً عن المضمون، بحيث جعلوا سعة مفهوم الغناء حاكمةً على مدلول الآية، ولذلك حكموا بحرمة الغناء مطلقاً، حتى في الكلام الذي يقرّب الإنسان من الله ويجعل من اللحن وسيلة من وسائل تعميقه في النفس.
ولكننا لا نجد هذا الفهم منسجماً مع ظاهر الآية إذا كانوا يركزون على اللهو والباطل صفتان للحن، لأنه هو الذي يمثل الفرق بين كون الكلام غنائياً أو غير غنائي، فإن الردّ على ذلك أن التأكيد القرآني هو في المضمون الباطل الذي يزيده اللحن، بل تتحرك من خلال المضمون الذي يدخل إلى الوجدان فيشغله عن الله ويضله عن سبيله، وذلك من خلال دور اللحن في استقبال الإنسان للفكرة بطريقة أسرع وأكثر تأثيراً.
وهناك مثل آخر، وهو ما ورد في قوله تعالى:{إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه}[المائدة:90]، وقوله تعالى:{إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدّكم عن ذكر لله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون}[المائدة:91].
وورد في الأحاديث أن ((الشطرنج ميسر)) وأن النرد((ميسر))، وفي حديث آخر عن الإمام الصادق(ع)، الذي سأله شخص ما الميسر قال: الشطرنج، قال: قلت أنهم يقولون أنها النرد وقال النرد أيضاً.
فقد ذهب الفقهاء إلى حرمة النرد والشطرنج مطلقاً، حتى لو لم يكن اللعب مشتملاً على العوض الذي يوجب صدق القمار عليه من خلال الأحاديث الواردة في النهي عنهما مطلقاً، وقد رأوا أن تطبيق الميسر عليهما يدل على توسعه مفهوم الميسر لما يشمل اللعب بدون عوض، أو أن المراد به آلات الميسر حتى لو لم يلعب بها بالطريقة القمارية.
ولكننا نرى أن للميسر ظهوراً في اللغة في لعب القمار الذي يختزن في مضمونه مفهوم العوض، وهذه هي القرينة على أن إطلاق كلمة الميسر على الشطرنج والنرد يطلق من هذه الملاحظة، على أساس أن تطبيق العنوان على شيءٍ يدل على أن المراد بالشيء ما يتناسب مع العنوان وليس العكس، ولذلك ذهب بعض الفقهاء، ومنهم الإمام الخميني، إلى حلية اللعب بالشطرنج والنرد إذا خرجا عن عنوان آلة القمار.
وهناك ملاحظة أخرى في المنهج، أشرنا إليها في بداية الحديث، وهي اعتبار القرآن ـ في مفهومه الفكري ـ حاكماً على الأحاديث في مدلولها، فلا بد من أن يكون موافقاً للمفهوم القرآني على مستوى القيمة، أو الفكرة، أو الخط، فإذا استطعنا أن نؤصّل أي مفهوم قرآني في مورد من الموارد، فلا بد من أن نطرح الأحاديث الدالة على ما ينافي هذا المفهوم، لا سيّما إذا كان أبياً، بطبيعته عن التخصيص والتقييد، وذلك كما في قوله تعالى:{ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطّيبات وفضَّلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً}[الإسراء:70] فإنها تدل على مفهوم ((تكريم الإنسان)) بشكل مطلق في مضمونه الإنساني، فإذا ورد هناك حديث يدل على خصوصية سلبية في بعض الشعوب بحيث يوحي بعدم الكرامة، فإن الآية ترفضه، وذلك كالأحاديث الواردة عن الأكراد ((أنهم قوم من الجن كشف عنهم الغطاء))، فإن تكريم الله لبني آدم لا يتناسب مع هذا المضمون السلبي.
وهكذا نجد الفكرة القرآنية حول بشرية الأنبياء وقدراتهم الذاتية التي لا تبتعد عن طاقة البشر، فلا يملكون القيام بأي شيء في حركة الكون من حولهم مما لا يملكه البشر، ولا يعلمون الغيب، إلا بما قدرهم الله عليه في حالات طارئة، كما في حالات التحدي التي تفرض المعجزة الخارقة للعادة، كانقلاب العصا ثعباناً، أو إحياء الميت وإبراء الكمه والأبرص، أو تحويل النار إلى شيء بارد لا يحرق صاحبها، أو الإخبار بالغيب في بعض الحالات مما تفرضه حركة الرسالة في مواقع التحدي، من دون أن يكون ذلك شيئاً متجذراً في الذات المقدسة للنبي أو للولّي، بحيث تكون له القوة على تغيير الكون وإدارته وتحويله من حال، إلى حال لأن ذلك ليس دوره الرسالي، كما أن القرآن الذي يتحدث عن طاقة الأنبياء المحدودة ودوره الخاص في ما عبر عنه الله في حديثه عن جواب الرسول للمشركين الذين أرادوا منه أن يفجر الينبوع من الأرض، وأن يكون له بيت من الذهب، أو يرقى إلى السماء بطريقة عادية أو نحو ذلك، فقال لهم: {قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً}[الإسراء:93]، فإذا ورد عندنا حديث يدل على (الولاية التكوينية) بالمعنى الذي ذكرناه، فإن الكتاب يدل على خلاف ذلك، فإن المسألة ليست مسألة استحالة، ذلك، لأن الله الذي أقدر الأنبياء على المعجزة الخارقة للعادة قادرٌ على أن يمنحهم القدرة على ذلك، ولكن المسألة أن القرآن يدل على خلاف ذلك.
إن الغيب حقيقة من حقائق الإيمان، ولكن القضية هي أن الله لم يجعل الغيب قاعدة للحياة وللكون وللإنسان، ولكنه أقامها على السنن الكونية والاجتماعية التي تخضع لها حركة الوجود والإنسان، وإذا كان الغيب قد يخرق العادة في دائرة السنن، فإنه يمثل حالة محدودة في دائرة الحاجة الضرورية التي تفرضها حركة الرسالات في تحديات الواقع. إنني لا أريد أن أبحث هذه المفردات بطريقة تحليلية تفصيلية، ولكني أريد الإشارة إلى النماذج الفكرية التي فرضت نفسها على كثير من أساليب التفكير لدى بعض المفكرين من العلماء، انطلاقاً من الاستغراق في استنطاق الحديث مع الطريقة العقلية التجريدية التي تتحدث عن الاستحالة والإمكان بعيداً عن دراسة الأمور على صعيد تبرير الفكرة على أساس الدور أو حاجة الواقع، وعن المقارنة بين مضمون الحديث ومضمون القرآن، حتى أن البعض منهم يحاول تأويل القرآن لمصلحة الحديث من دون ضمانة لصحة الحديث في نفسه.
إننا نحاول أن نحذّر من هذا الاتجاه الذي يثير الاهتمام بالحديث بالدرجة التي قد ترتفع به فوق القرآن بطريقة لا شعورية، على أساس الذهنية التي تختزن في داخلها أن القرآن قابل للتأويل أكثر من الحديث، لتتحرك بها بطريقة عفوية مع عدم إقراراها بذلك في الكلام المعلن.
إن القرآن هو النور الذي يضيء غيره، وهو الذي أنزله الله ليخرجنا من الظلمات إلى النور، وهو الهدى الذي يهدينا إلى الحقيقة الإلهية الحاسمة. وفي ضوء ذلك، لا بد لنا من الانفتاح عليه بكل فكرنا والمحافظة على نصوصه وظواهره بطريقة علمية دقيقة، فلا يجوز لنا أن نفرض عقائدنا واتجاهاتنا وأوهامنا عليه، بل لا بد من أن نرجع إليه من أجل تصحيح مفاهيمنا من عناصر التخلف، ومن ركام الأضاليل والأوهام التي فرضت نفسها على الذهنية الإسلامية العامة، فهو المرجع الذي نرجع إليه، وهو النور الذي نستضيء به، وهو المصدر المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقد تكفل الله بحفظه في قوله تعالى:{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}[الحجر:9].
وأخيراً، إن القرآن هو الكتاب الواحد الذي يلتقي عليه المسلمون، فلماذا لا يكون المرجع الذي يرجع إليه المسلمون في عقائدهم وشريعتهم ومناهجهم ومفاهيمهم في الحياة ليؤكدوا الوحدة الإسلامية من خلاله في العودة إليه والرجوع إلى آياته استجابة لنداء الله تعالى:{ أن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}[الأنبياء:92].
والحمد لله رب العالمين
الثبات والتغيّر في فهم النصّ القرآني
أجرت مجلة "الحياة الطيبة" حواراً فكرياً هاماً مع سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله، تناول القواعد التي يمكن على ضوئها فهم النص القرآني. وناقش فيها بعض الأفكار والنظريات المطروحة في هذا المجال، مؤكداً أن لا نظريات نهائية في فهم النص، فالباب مفتوح أمام أي نظرية جديدة شرط أن تكون منسجمة مع المناخ الذي تتحرك فيه اللغة، داعياً إلى التحرر من القبليات الفكرية والعناصر الذاتية عند مقاربتنا للنص بهدف فهمه وتفسيره. وفيما يلي نص الحوار:
حجية الظهور ودور القرائن
الحياة الطيبة: سوف نحاول أن نركّز أسئلتنا، في هذا الحوار، على مسألة الثبات والتغيّر في فهم النص الديني؛ لذا فإن سؤالنا الأول هو: يكثر الحديث عن الثبات والتغير في فهم النص عموماً، والنص الديني خصوصاً، فهل يمكن إدخال هذا المصطلح إلى دائرة فهم النص القرآني، وما هو الثابت وما هو المتغير في القرآن على فرض وجودهما؟
السيد فضل الله: عندما نريد أن نتحدث عن الثابت والمتغيّر في فهم النص الديني، سواء كان هذا النص سنّةً نبويةً أم قرآناً، لا بد أن ننطلق من تحديد القاعدة الثقافية لفهم النص العربي بشكل أو بآخر؛ لأن النصّ الديني ليس بدعاً من النص، إلا من ناحية اختلاف مضمونه عن المضامين الأخرى التي تحفل بها استعمالات اللغة العربية، ولا بد من تركيز هذه القاعدة، وهي أنه درج المسلمون، وفي طليعتهم المفسرون، سواء كانوا ممن يأخذون الصفة الفقهية أم الصفة الثقافية العامة [الكلامية وغيرها]، درجوا على اعتبار أن ظاهر اللفظ هو الأساس في فهم المعنى، من دون ملاحظة عوامل أخرى تدخل في عملية فهم النص، فلا تُدرس المرحلة التاريخية، باعتبار الفكرة القائلة: إن الله سبحانه لا يخضع في كلامه للأوضاع التاريخية المتحركة؛ لأنه فوق الزمن وفوق التاريخ، ولا تدرس أيضاً العوامل النفسية أو الجوانب الثقافية التي تتدخل في عملية إطلاق النص بصورة قد تختلف عن إطلاقه عندما يكون المتكلم خاضعاً لظروف ثقافية أخرى، وعلى ضوء هذا درج التفسير الإسلامي للنص، سواء كان نصاً قرآنياً أم نبوياً أم إمامياً.
ومن الطبيعي أن مسألة الظاهر الذي يتمسك به هذا الاتجاه يختلف في عملية استنطاقه بين شخص وآخر، كما أن الظهور يتحرك في المعنى الحقيقي والمعنى المجازي الذي يخضع للقرينة، وعلى هذا الأساس كانت الاختلافات في التفسير ناشئة من اختلاف قواعد الاستظهار، وقد دخل الاتجاه الباطني على التفسير، وركّز على أن للقرآن بطوناً قد تصل إلى السبعين، واختصرها بعضهم في سبعة، ما جعل المعنى القرآني يغرق في معانٍ باطنية لا علاقة للّفظ بها، بحيث لا نشعر بوجود أية علاقة بين اللفظ وبين المعنى الذي يستبطنه القرآن كما يعتقد أصحاب هذا الاتجاه.
لذلك، لا بد لنا من بحث هذا كله في عملية استنطاق النص القرآني، حتى نستطيع أن نبيِّن الثابت والمتغيّر، لأن علماء اللغة وعلماء الأصول درجوا، في تعبيراتهم، على التمييز بين النص والظاهر، ويراد من النص: الكلام الذي لا يحتمل معنى آخر، بينما الظاهر: هو الذي يحتمل الخلاف ولكن الاحتمال ضعيف. فيقولون: إن كلمة "لا بأس" نصٌ في الحلية، بينما كلمة "يحرم" ظاهرة في الحرمة؛ لأنه قد يراد بها الكراهة الشديدة على نحو المبالغة، ولكن لا نستطيع أن نحمل كلمة لا بأس على الحرمة، أو الكراهة مثلاً. فهم يعدون الكلمة التي هي نص في المعنى؛ أي لا تحتمل غيره حتى احتمالاً مرجوحاً، يعدّونها من الثابت، بينما الظاهر يُعَدّ من المتغير؛ لأنه من الممكن جداً أن يستعمل في غير المعنى الظاهر من اللفظ، بقرينة أخرى، قد تكون على نحو المجاز، أو الكناية أو على نحو العام والخاص، أو الإطلاق والتقييد، أو ما إلى ذلك.
وقد تطورت نظرية فهم النص إلى قواعد جديدة، بحيث تنفذ إلى الخلفيات والظروف التي يعيشها المتكلم أو إلى علاقة النص بالواقع، باعتبار أن الواقع يتدخل في فهم الإنسان الذي يتلقى النص، ثم قد يحتاج الإنسان إلى درسه، ولكن المسألة التي قد تحكم المفسّر للقرآن هي أن علينا أن ندرس الذهنيات التي كانت تحكم عملية التفاهم في تلك المرحلة، بحيث تكون حجة على الناس ولهم؛ لأن إخضاع النص ـ الذي انطلق في مرحلة من المراحل خاضعةٍ لأسلوب من أساليب التفهيم والتفاهم ـ لمصطلحات جديدة في عالم فهم النص، ربما تكون ناشئة من بيئات تركّز التفاهم على هذا الأساس، قد لا يكون علمياً، أو قد يخلو من الدقة، من خلال هذا العرض كله نقول: في النص القرآني (بمعنى الفهم) ليس هناك ثابت بالمطلق، حتى المحكمات التي هي أم الكتاب، لا شك في أنها ظاهرة في معناها، ولكن قد يراد منها غير الظاهر، بلحاظ القرائن الواردة في هذه المسألة أو تلك.
وعلى ضوء هذا، فإننا نتصوّر أنه من الممكن جداً أن يتكون التفسير على أساس اختلاف الفهم، وخصوصاً إذا اعتمدنا على الاستيحاء في مسألة التفسير، من خلال نظرية كنت أتحدث عنها في غير موضع، وحاصلها أن الكلمات تحمل في تاريخ استعمالاتها من الإيحاءات التي يعيشها المستعمل في مدى التاريخ؛ لأنها تحيط بالمعنى الذي وضعت له الكلمة، فتعطيه أفقاً أوسع مما هو في القاموس.
الحياة الطيبة: إنكم ترجعون الثابت والمتغيّر إلى النص والظاهر، لكن قلتم: إن الحديث عن الثابت حتى في المحكمات، ليس حديثاً محكماً، فربما يُختَلف في المحكم أيضاً..
السيد فضل الله: بلحاظ القرائن الداخلية والخارجية.
الحياة الطيبة: لكن ما هي المعايير التي يمكن الاعتماد عليها في فهم النص، ألا توجد معايير ثابتة رغم اختلاف الثقافات؟ في النهاية نريد أن نعرف ما إذا كان هناك من ثابت في القرآن بقطع النظر عن كونه هو المحكم أو غيره، فما هو الثابت القرآني الذي يحول دون "أنسنة" فهم القرآن؟
السيد فضل الله: أولاً توجد نقطة لا بد لنا من تأكيدها والتركيز عليها، وهي أن لكل لغة معايير في فهم كل مفرداتها، سواء على المستوى الإفرادي أم التركيبي؛ ولذلك لا بد لنا من تأصيل قواعد اللغة في فهمنا للنص، من خلال دراستنا للجو اللغوي والعرفي الذي كان يطبع تلك المرحلة التي نزل فيها القرآن، ومن الطبيعي أن هناك خلافاً بين علماء اللغة في ذلك. ولذلك من الصعب جداً الوصول إلى ثابت إلا بما يُتيقّن أنه كان مؤصّلاً بين الناس، ولو من باب القدر المتيقن؛ لأن الاختلاف في مسألة قواعد اللغة العربية والذي قد يتمظهر في الخلاف النحوي، أو البلاغي، وما إلى ذلك، قد يؤدي إلى اختلاف فهمنا.
الحياة الطيبة: هل يمكن أن نقول: إنكم تعتقدون بعدم وجود معايير ثابتة، مهما كانت دائرتها ضيّقة، في فهم اللغة؟
السيد فضل الله: أنا قلت: إنه ربما نستطيع أن نضع أيدينا على بعض المواقع التي تمثل القدر المتيقن عند علماء العربية، وهذا ما يعبر عنه بالثابت. النقطة الثانية في الجواب عن السؤال هي إنّ المتكلم عندما يتكلم يخضع في كلامه لبعض الجوانب الذهنية الموجودة في داخل وجدانه، بحيث إنها تتدخل في فهم الآخرين لكلامه، ولذلك قد تكون دراسة ذهنية هذا المتكلم في خلفياته الفكرية، أو الشعورية، صالحة لتكون قرينة على إرادة معنىً معين من هذا الكلام أو ذاك، ما يجعل للمسألة الثقافية دوراً في الآفاق التي يمكن أن تتحرك فيها الكلمة.
الحياة الطيبة: هل يمكن التجرد عن هذه الخلفيات الثقافية، ولو بشكل نسبي؟
السيد فضل الله: عندما نقرأ الكلام النفسي لا بمعناه المصطلح، بل بمعناه العرفي على ضوء قول الشاعر:
"إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً"
وهذا معناه أن الإنسان يتكلم بما يضمره، فربما يعطي اطلاعنا على الاتجاهات الموجودة في نفسه معنىً آخر غير ما يدل عليه اللفظ. كلمة "السلام"، مثلاً، عندما تصدر من متكلم، فقد يراد بها السلام في مقابل الحرب، وقد يراد منها التحية، أو ما إلى ذلك من المعاني المتعارفة. لكن عندما تتحول كلمة السلام إلى مصطلح؛ أي إلى لافتة لاتجاه سياسي معيّن، كما كنا نواجه منذ عشرات السنين حركة أنصار السلام التي هي واجهة من واجهات الحزب الشيوعي، فعندما يتكلم شيوعي عن السلام قد نفهم من هذه الكلمات معنىً غير المعنى اللغوي، من جهة ما يحيط بهذه الكلمة من عناوين، سياسية أو خطوط حركية معينة. ربما يقول بعض الناس إنك تتحدث عن المصطلح، ولكن الواقع أن المسألة ليست بهذه الدقة، بل ربما لا تكون الكلمة مصطلحاً، ولكن تأخذ من الإيحاءات والخطوط السياسية ما لا تتحمله الكلمة بحسب طبيعتها وخلاصة الفكرة التي أكدتها في تفسيري من وحي القرآن، أن هناك عدة معايير في فهم النص هي:1 ـ الظهور، 2 ـ الدليل العقلي، 3 ـ الدليل النقلي بالنسبة للنص القرآني، فالظهور حجّة ما لم يكن هناك دليل عقلي، أو نقلي يمنعنا من الأخذ به، فإذا وُجِد مانع عقلي مثلاً، فلا بدّ من حمل الظهور على ما ينسجم مع الدليل العقلي، لكن بما لا يتنافى مع قواعد المجاز والكناية والاستعارة، ويضاف إلى ذلك ما قلناه آنفاً من ضرورة دراسة مقاصد المتكلم (منشىء النص) وأهدافه التاريخية إذا كان المتكلم بشراً.
بين الثابت والنسبي
الحياة الطيبة: ذكرتم في البداية بأن محور التفسير كان التركيز على الظاهر بعد النص، ونجد أن بعض المفسرين يركزون على موضوع الاستظهار، فإن الشيخ الطوسي مثلاً يقول: إن التفسير هو بيان اللفظ المشكل، وبالتالي فإن بيان الظاهر ليس بتفسير. وكذلك يتبنى الفناري والزرقاني هذا التعريف، فإذا اعتبرنا أن أساس التفسير هو الاستظهار وليس بيان النص، ولا الظاهر، فإنه يمكن استثمار عدد من الأمور في عملية الاستظهار، أو الانفتاح على عملية التأويل.
السيد فضل الله: عندما كنت أتحدث عن التفسير، لم أقصد كلمة التفسير بالمعنى اللغوي، والذي صار موضعاً للجدل في قضية التفسير بالرأي. فعندما اعترض بعض الذين لا يرون حجية ظواهر القرآن، بأن هذا من التفسير بالرأي، رُدّ عليهم: أن العمل بالظاهر ليس تفسيراً؛ لأن التفسير هو إيضاح المشكل. وما أردته من كلمة التفسير، يعتمد المفسّر في شرحه لمعاني القرآن على الظاهر، وأما ما تفضلتم به، فإن هذا لا يخرج عن خط الظهور؛ لأنه قد يكون ناشئاً من خلال المعنى اللغوي، باعتبار أن وضع لفظ لمعنى يجعل اللفظ ظاهراً فيه، وقد يكون من خلال المعنى العرفي، وهو الذي يأتي من قبل الاستعمال بلحاظ بعض الظروف النفسية أو الاجتماعية التي تعطي اللفظ بعض المعاني البديلة، أو بعض المعاني الموسعة. وقد يكون الظهور ناشئاً من خلال القرينة، باعتبار أننا نقرأ الكلمة أحياناً ونعرف أن المتكلم لا يمكن أن يريد بالكلمة معنى يختلف عن المعنى العقلي، كما في الآيات الظاهرة في رؤية الله، أو الجبر، أو التجسيم، لأن الدليل العقلي قائم على استحالة الرؤية أو التجسيم، أو الجبر، بحيث يكون هذا الدليل قرينة على عدم إرادة هذا الظاهر، وإنما المراد هو المعنى المجازي، وقد تكون هناك قرائن لفظية أو حالية، ولذلك إن ما ذكره الشيخ الطوسي(ره) لا يعتبر شيئاً جديداً.
الحياة الطيبة: سماحة السيد، فيما يرتبط بالثابت والمتغير قلتم: أنه لا يمكن تصور الثابت على مستوى الفهم والدلالة، ولكن ألا يمكن طرح ذلك على مستوى المضمون؟
السيد فضل الله: من الطبيعي أن المضمون الذي قامت الحجة عليه هو ثابت؛ دون ما لا حجة عليه لا من داخل النص، ولا مما يحيط بالنص. فعندما ندرس القرآن، نجد أن التوحيد مثلاً موضوع ثابت؛ لأن كل القرآن يتحدث عن التوحيد بشكل واضح جداً، كما أن النبوة من الثابت؛ وكذلك اليوم الآخر. وهكذا عندما نأتي إلى بعض الآيات التي تتحدث عن بعض تفاصيل العقيدة، كما أن هناك بعض الأحكام الشرعية من الثوابت، كالآيات التي تتحدث عن حرمة الميتة، والدم، وغير ذلك.
الحياة الطيبة: لو أرجعنا تحديد هذه الثوابت إلى الحجة، والحجة تنبثق من داخل هذا النص الديني؛ أي العناصر التي تكوّن الحجية هي العناصر نفسها التي نتحدث عن وجود الثوابت فيها، أو عدم وجودها، فكيف يمكن الوصول إلى الثوابت، في موضوع التوحيد مثلاً، بينما نلاحظ أن التأويلات التي قُدِّمت تُخرِج كثيراً مما درج الجميع على أنه من الشرك عن مفهوم الشرك وهكذا؟
السيد فضل الله: أنا عندما تحدثت عن التوحيد، كثابت قصدت التوحيد كمبدأ بقطع النظر عن التفاصيل. والنبوة كمبدأ بقطع النظر عن خطوط النبوة، وكذلك اليوم الآخر، وإلا يمكن أن يتحدث البعض عن معاد جسمي، أو معاد روحي. ويمكن أن يتحدث البعض عن نبي معصوم أو غير معصوم، أو يتحدث عن توحيد يلتقي بالتثليث، أو لا يلتقي بالتثليث، من خلال نفس المفهوم في طبيعته الثقافية، ومن خلال إمكانات حمله، بقطع النظر عن أن هذه الإمكانات ثابتة أو غير ثابتة، صحيحة أو غير صحيحة.
ومقصودي بكلمة الحجة في هذا المقام، أنه عندما نستهدي النص وندرسه من الداخل ونجد أنه ليس هناك أية عناصر تقفز فوق الظهور، لتغيره حتى على مستوى الإمكان، وليست هناك عناصر خارجية يمكن أن تُغيب هذا الظهور، أو تؤوله، فإنه يمثّل الثابت حينئذ.
الحياة الطيبة: هل يمكن القول: أن المصطلحين المعروفين: المحكم والمتشابه يمثلان معادلين، لكلمتي الثابت والمتغير؟
السيد فضل الله: إن كلمة المحكم عندما تكون في مقابل المتشابه، تكون قرينة على المتشابه، لا بد أن ندرس درجة هذا الإحكام؛ بمعنى أنها محكمة بحسب ظهورها، مثلاً آية {ليس كمثله شيء}[1]، و{لا تدركه الأبصار} [2] هما من المحكم في مقابل {يد الله فوق أيديهم}، و{وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} [3] اللتين هما من المتشابه؛ باعتبار أن التعبير فيهما قد يوحي بأن الله يمكن أن يُرى أو يُنظَر إليه، أو أنه جسم. ولكن من الممكن جداً أن ننفذ إلى داخل هذا المحكم لنحتمل بعض الاحتمالات في مثل آية {ليس كمثله شيء}.
الحياة الطيبة: فيسقط عن الإحكام..
السيد فضل الله: لا، هناك فرق بين أن نقول محكم بحسب ظهوره الذي يمكن أن يكون حجة في مقابل الخصم، لكن قد يحتمل الخلاف وبين المفهوم المألوف للمحكم الذي يساويه بالنص.
الحياة الطيبة: ولكن وصَفَ الله المحكمات، بأنها أم الكتاب أي هي مرجع التحكيم؟
السيد فضل الله: ولكن بلحاظ أن الظهور حجة، فمثلاً هناك بعض النظريات الكلامية تقول: إن الله جسم لا كالأجسام. وهو ما ينسب إلى هشام بن الحكم ـ وإن لم تثبت النسبة ـ كما أن بعضهم كان يسأل الإمام الكاظم(ع) أن هناك من يقول: إن الله هو شيء ولكن لا كالأشياء، فيمكن أن يؤوّل قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} إلى هذا المعنى، ولكنه احتمال لا دليل عليه. فاللفظ الظاهر يجتمع مع الاحتمال، لكن لا أثر له عندما تكون قيمته الاحتمالية عشرة في المائة. فكلمة المحكم تختلف عن كلمة النص.
الحياة الطيبة: هل يمكن أن نعبر عن هذا المحكم الذي تتحدثون عنه بالمحكم الإضافي، أو النسبي؟ أي هو محكم في مقابل المتشابه، أما في داخل دائرة إحكامه، فيمكن أن تختلف العقول، والثقافات في تفسير بعض مفرداته.
السيد فضل الله: نعم، ربما، وبعبارة أخرى: كل ظاهر يجتمع مع الاحتمال، غاية الأمر، ما هي درجة هذا الاحتمال؟ قد تكون درجة هذا الاحتمال بلحاظ طبيعة اللفظ، من حيث معناه اللغوي، والعرفي عشرة في المائة. بينما الاحتمال الآخر الذي يطابق الظهور، وينسجم مع الطبيعة العرفية واللغوية للكلمة تسعون في المائة، فهذا يسمى "محكماً"، وإن احتمل خلاف الظاهر فيه، بينما قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}، هذه الآية بحسب معناها ظاهرة في أن الله يرى كجسم، مع احتمال أن يراد من النظر النظر القلبي، ولكنه احتمال ضعيف. فإذا جاءت القرينة العقلية، أو اللفظية كنص قرآني آخر كقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار}، فإنها تجعل اللفظ ظاهراً في المعنى الذي كان احتمال إرادته ضعيفاً؛ لأن المعنى الحقيقي يكون الظهور فيه قوياً، إذا لم تكن هناك قرينة على الخلاف نقلاً أو عقلاً.
الحياة الطيبة: كل هذه المحددات والمعايير التي ذكرتموها تخضع للتغيير، فمن أين يأتي سكون هذا الثابت؟
السيد فضل الله: لقد قلت إن التغيرات تأتي من خارج اللفظ، وبعبارة أخرى هناك قواعد اللغة العربية، وغيرها من اللغات، التي تقول بأن الأصل في الاستعمال هو الحقيقة، إلا إذا قامت قرينة على إرادة خلاف المعنى الحقيقي.
الحياة الطيبة: لكن هذا المعنى الحقيقي، كان يعتبر من الثوابت، فعندما نتحدث عن تطور اللغات وتطور الألسنة، لا يبقى هناك ثوابت؟
السيد فضل الله: هناك ضوابط لتطور اللغة، فالمعنى الحقيقي إذا لم يعرض عليه النقل، فربما يخضع للانصراف، بمعنى: أن اللفظ أحياناً يدل على أحد مصاديق المعنى، وقد يصل هذا إلى الوضع التعييني، وقد ينقلب إلى المشترك؛ كما يمثل علماء المنطق واللغة بكلمة "دابة" التي صارت ـ في عرفنا الشائع ـ تدل على من يمشي على أربع، وكذلك كلمة "صلاة" التي كانت للدعاء، فصارت تدل على المعنى المعروف، فالمعنى الحقيقي ليس ثابتاً؛ بمعنى: أنه يطرأ عليه التغيير؛ لكننا عندما نتعامل معه في عملية استنطاقه، نلحظ كل عوارض التغيير التي حدثت فيه، ونستنتج بعد ذلك. وبهذا يكون ثابتاً اللفظ الذي لم يستعمل استعمالاً كثيراً في بعض مفرداته، ليصل إلى حد الانصراف أو يصل إلى حد الوضع التعييني أو النقل، ولم تكن هناك قرينة داخلية أو خارجية تصرفه عن ظاهره، هذا اللفظ يكون ثابتاً.
الحياة الطيبة: وهذا يعني أن الثابت ليس ثابتاً مطلقاً، بل ثبوته نسبي..
السيد فضل الله: ليس عندنا في اللغة العربية ثابت في نفسه إلا "النص". [الكلام الذي يحتمل معنى واحداً].
الحياة الطيبة: هل بإمكاننا القول: أن السنة المعصومة التي تشكلت عبر عشرات السنين هي التي تمثل معياراً يمنع الثقافات والأعراف من الدخول على خط النص القرآني، وهذا يعطي ثباتاً للفهم القرآني.
السيد فضل الله: نعم هي كذلك، ولكن لا بد أن ندرس السنة أولاً من حيث توثيقها لنعرف هل هذا من السنة أو ليس من السنة؟ ولا بد أن ندرس الظروف التي انطلقت فيها السنة؛ لأنه من الممكن مثلاً أن يصدر عن النبي(ص) شيء بما هو وليّ أو بما هو مشرع..
الحياة الطيبة: المقصود هنا هو السنة الصحيحة..
السيد فضل الله: حتى السنة الصحيحة لا بد لنا أيضاً من دراستها، فقد لا تكون من الثابت في مدلولها، فعندما يصدر شيء عن النبي(ص) مثل قضية "لا ضرر ولا ضرار" هناك من يقول: إن النبي(ص) قال: "إذهب فاقلعها وارمِ بها إليه فإنه لا ضرر ولا ضرار.."[4]، بصفته الولائية، وليس بصفته التشريعية. وهناك من يرى: أنه قاله بصفته التشريعية؛ لذلك نحن عندما نريد أن نستنطق السنة، نجد أن السنة تتكلم عن المضمون "إذهب فاقلعها وارم بها إليه"، ولكن هل هو حكم ولايتي أم هو حكم تشريعي؟.
الحياة الطيبة: هل هناك إطار من السنة يساعد الإنسان ولا يتركه مع ضياعه؟
السيد فضل الله: إن ما ذكرته من المعايير لا يجعل الفهم القرآني في ضياع.
الحياة الطيبة: لا، الفهم اللغوي..
السيد فضل الله: عندما نتكلم في اللغة، في العرف، في القرائن العقلية، في القرائن اللفظية، إننا نتكلم بالقرائن النفسية في هذا المجال وعندما نقف مع النص القرآني المعرّى من كل هذه العناصر، فمن الطبيعي أن يكون هناك مفهوم ثابت.
حول الفهم العلمي للقرآن
الحياة الطيبة:
Créer un site internet gratuit avec E-monsite.com
- Signaler un contenu illicite
- Voir d'autres sites dans la catégorie Pages personnelles
Videos Droles
- Clips musique
- Cours création de site web