آراء لابن حزم في فضل العلم وذم الجهل
لو لم يكن فضل العلم إلا أن الجهال يهابونك ويحبونك وأن العلماء يحبونك ويكرمونك لكان ذلك سببا إلى وجوب طلبه، فكيف بسائر فضائله في الدنيا والآخرة؟ ولو لم يكن من نقص الجهل إلا أن صاحبه يحسد العلماء ويعجبه نظراؤه من الجهال لكان ذلك سببا إلى وجوب الفرار عنه، فكيف بسائر رذائله في الدنيا والآخرة؟
لو لم يكن من فائدة العلم والاشتغال به إلا أنه يقطع المشتغل به عن الوساويس المضنية ومطارح الآمال التي تفيد غير الهم وكفاية الأفكار المؤلمة للنفس، لكان ذلك أعظم داع إليه ، فكيف وله من الفضائل ما يطول ذكره ، ومن أقلها ما ذكرنا مما يحصل عليه طالب العلم، وفي مثله أتعب ضعفاء الملوك أنفسهم فتشاغلوا عما ذكرنا بالشطرنج والنرد والخمر والأغاني وركض الدواب في طلب الصيد وسائر الفضول التي تعود بالمضرة في الدنيا والآخرة، وأما بفائدة فلا.
من شغل نفسه بأدنى العلوم وترك أعلاه وهو قادر عليه، كان كزارع الذرة في الأرض التي يجود فيها البر، وكزارع الشعراء (1) حيث يزكو النخل والتين.
نشر العلم عند من ليس من أهله مفسد لهم كإطعامك العسل والحلوى من به احتراق وحمى ، وكتشميمك المسك المسك والعنبر لمن به صداع من احتدام الصفراء.
الباخل بالعلم ألوَمَ من الباخل بالمال، فالباخل بالمال أشفق من فناء ما يبده، والباخل بالعلم بخل بما لا يفتي على النفقة ولا يفارقه مع البذل.
-----------------
1- الشعراء: الشجر غير المثمر
2- المرجع: رسائل ابن حزم الأندلسي، تحقيق الدكتور إحسان عباس الجزء الأول، المؤسس العربية للدراسة والنشر، الطبعة الأولى: 1401هـ - 1980م. ص 343 - 344
Créer un site internet gratuit avec E-monsite.com
- Signaler un contenu illicite
Videos Droles - Clips musique - Cours création de site web