الكونية الأخلاقية بين علوم القرآن وعلوم الإنسان للأستاذ فريد الأنصاري

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الكونية الأخلاقية بين علوم القرآن وعلوم الإنسان

دراسة في نظرية الأخلاق عند الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي

 

الدكتور فريد الأنصاري

رئيس شعبة الدراسات الإسلامية

جامعة مولاي يوسف مكناس المغرب

مقدمة:

أَنْ تَدْخُلَ فضاءَ (رسائل النور)؛ يعني أنك أحد (المبصرين!) وتلك دعوى كبرى! من ذا يتجاسر على ادعائها؟ ومن ذا قدير على أن يبوء بثقلها؟ كيف وقد ثبت أن ليس كل من (ينظر) بعينين يعد من (المبصرين)؟ ألم يقل ربنا جل وعلا: (وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ)؟(الأعراف:198). ولقد عُلِمَ أن الأستاذ بديع الزمان سعيدا النورسي ما صعد إلا أعلى مقامات الإبصار وأدقها! فأنى للدارس إذن؛ أن يواكب مشاهداته إن لم يكن مبصرا حقا؟ وإذا كان لكل حكم شرط، فقد ثبت أن ذلك هو شرط الأستاذ! أليس هو القائل: (أتكلم في مكاني، لا في مقام السامع المواجه لي - خلافاً لسائر المتكلمين، الذين يفرضون أنفسهم في مقام السامعين - فيصير أمام كتابي (الذي) وجههُ إليّ، ومعكوسه ومقلوبه إلى السامع، فكأنه يقرأ في المرآة فيتعسّر عليه؛ فإذاً لا أذهب إلى مقامه، فليرسل هو خياله إليّ لأضيفه على عيني ، في رأسي؛ كي يرى كما أرى!)(1)

تلك إذن هي القضية! وذلك هو شرطها على الإجمال!

فكيف إذا كان التفصيل دراسة مفهوم كثيف الاكتناز الدلالي، مثل مفهوم الأخلاق؟ هذا المصطلح الكوني، الذي يعتبر من أهم المصطلحات المفاتيح؛ لكليات رسائل النور! مصطلح يحيلنا على كل أبعادها الكونية! فليس لنا إذن؛ أن ندعي غير المقاربة، ومحاولة الاقتراب. وأما الغوص والإبحار؛ فدونك رسائل النور؛ ليس ينوب عنها شيء!

نعم، إن مفهوم ’’الأخلاق‘‘ كما قدمه الأستاذ بديع الزمان النورسي رحمه الله ـ من خلال تفسيره التفكري للقرآن العظيم ـ يعتبر مفتاحا من أهم المفاتيح؛ لفهم نسق الرسائل من جهة، ولمقاربة المفهوم الكلي للدين نفسه من جهة ثانية. وما كليات رسائل النور في نهاية المطاف؛ إلا مرآة صافية تعكس شعاع القرآن، وتجليه لهذه الإنسانية المتمردة، الضاربة اليوم في العمى.

وما العولمة الجديدة/القديمة التي تنفث ظلماتها على العالم الإسلامي؛ إلا مرحلة من مراحل التمرد البشري على رب الكون. وإن نظرة واحدة في المفهوم النوري للأخلاق؛ لكفيلة ببيان هشاشة البناء البشري لمنظومة العولمة الخُلُقية. إذ هي أشبه ما تكون بالبناء العشوائي الذي يحيط المدن الكبرى في العالم. إنها محاولة لغزو النظام المتكامل لبنية الأخلاق لدى المسلمين، والتشويش على النسق الجميل للبعد الكوني لمفهوم الأخلاق في أصولها القرآنية.

إن بديع الزمان الذي تكلم في هذا الموضوع بمنهج استبصاري: ’’علوم المستقبل‘‘ ليدل على وعيه المبكر جدا، والغريب؛ بما ستؤول إليه أخلاق الغرب ـ والشرق المتأثر به ـ من إفلاس عجيب، لقد كان يتكلم رحمه الله وكأنه يعيش لحظتنا هذه: مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي بالذات!

إن الفلسفة الغربية التي هي سليلة الفكر اليوناني القديم، والتي تنكرت لمسيحيتها حتى في صورتها المحرفة! قد وصلت إلى الرأسمالية في بعدها العولمي الأخير، التي أنذر بها بديع الزمان في رسائله، مبينا أنها أمارة الانتحار والإفلاس للفكر البشري، وبداية الانتصار لمنظومة القرآن. وهذا واحد من معاني تأكيده أن رسائل النور ستقرأ في كل مكان، وستغزو كل العالم(2). ذلك إذن؛ وجه من وجوه عالمية القرآن، المستوعبة لكل الأشكال الهندسية، لأنماط الحياة في العالم.

إن الفرق بين التعبد والتمرد؛ هو الفرق بين البقاء والفناء! وهو كالفرق بين المعنى واللامعنى!

من هنا إذن كان لابد من دراسة هذا المفهوم ابتداء: (الأخلاق)، كما هو معروض بشموليته الكونية في كليات رسائل النور؛ لنتبين مدى الاكتناز الدلالي الذي يتصف به هذا المصطلح، في بناء تصور النورسي للإنسان كما تلقاه من القرآن العظيم، وبيان مدى الإخفاق الذي منيت به فلسفة الأخلاق في الفكر العقلاني المتمرد، المعتصم بـ(أناه)، في معناها (الاسمي)، على اصطلاح بديع الزمان النورسي كما سنوضحه بحول الله(3).

ولقد انطلق الإنسان نحو (الكونية الأخلاقية) لكن بمعنيين وبمنهجين: الأول منهج القرآن، والثاني: منهج الفلسفة، مما انتشر في علوم الإنسان الاجتماعية والسياسية والأخلاقية.

أما الكونية الأخلاقية في القرآن فقد جردت (أنا) الإنسان من (اسميتها)، وربتها على المعنى (الحرفي) المفتقر إلى اسم الله تجريدا وتفريدا، فامتدت أخلاقه بذلك لتسع الكون كله إمامةً للعابدين، سيرا في فلك التعبد لله رب الكون كله. وأما الكونية الأخلاقية في الفكر الفلسفي؛ فقد رسخت اسمية (الأنا)؛ فتضخمت ثقة الإنسان بمعارفه تضخما سرطانيا؛ حتى انتهى إلى اعتقاد استغنائه عن كل عون من الله وكل مدد. بل استغنى عن وجود الله جل وعلا! وَهْماً وتوهما؛ فطغى! وتحول إلى وثن يعبد ذاته ويؤلهها. ولذلك قال عز جل: (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى)(العلق:6ـ7).

إن بديع الزمان النورسي رحمه الله قد صاغ نظرته الأخلاقية المستنبطة من القرآن، وعرضها بمنهج مقارن عجيب، مبينا آفاقها الكونية العالية، وسبقها التربوي، بالنظر إلى ما آلت إليه النظريات الأخلاقية الفلسفية قديمها وحديثها، التي لم تعتمد القرآن منطلقا وطريقا مختصرا للوصول. ونحن في هذه الدراسة سنحافظ في عرض مفهوم الأخلاق عنده؛ على المنهج نفسه الذي اعتمده، مع ما نضيفه من منهج الدراسة المصطلحية، المبني على الاستقراء للنصوص، والجمع بين أجزائها؛ عسى أن نصل إلى المعنى الكلي، الذي أعطاه بديع الزمان لمفهوم الأخلاق، والذي بثه خلال أجزاء رسائل النور مجملا ومفصلا.

وبيان ذلك هو كما يلي:

1 ـ الأخلاق في التعريف اللغوي:

ترجع مادة (خلق) في اللغة إلى معنى التقدير والإنشاء والطبع والتكوين. ومنه تفرعت الدلالة إلى سائر المعاني التي استعمل فيها اللفظ بعد. ولذلك دل أصالة على فعل الله في تكوين المخلوقات وإنشائها على غير مثال سابق، فكان بذلك شاملا لكل الصفات الجبلية في صور المخلوقات الظاهرة حسا. وهي مظاهر الخليقة. ثم دل تبعا على كل سجية، أو طبيعة من الصفات النفسية، وهي الأخلاق. قال الراغب الأصفهاني: (الخلق أصله: التقدير المستقيم، ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا احتذاء، قال: "خَلَق السموات والأرض"(الأنعام:1) أي: أبدعهما، بدلالة قوله: "بديع السموات والأرض"(البقرة:117). ويستعمل في إيجاد الشيء من الشيء نحو: "خلقكم من نفس واحدة"(النساء:1) (...) والخَلْقُ: يقال في معنى المخلوق. والخَلْقُ والخُلُقُ في الأصل واحد (...) لكن خص الخَلْق بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر، وخص [الخُلُقُ] بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة. قال تعالى: "وإنك لعلى خلق عظيم")(4). وقال صاحب مختار الصحاح: (الخَلْقُ: التقدير يقال خَلَقَ الأديمَ: إذا قدره قبل القطع، وبابه نصر. والخَلِيقةُ الطبيعة والجمع الخَلاَئِقُ، والخَلِيقةُ أيضا: الخلائق، يقال هم خليقة الله، وهم خَلْقُ الله. وهو في الأصل مصدر. والخِلْقةُ: الفطرة، وفلان خَلِيقٌ بكذا: أي جدير به، ومضغة مُخَلَّقَة:ٌ تامة (...) والخُلُقُ بسكون اللام وضمها: السجية. وفلان يَتَخَلَّقُ بغير خلقه: أي يتكلفه)(5). وفي اللسان: (الخِلْقةُ: الفِطْرة (...) والخُلْق والخُلُق: السَّجِيّة (...) وفي الحديث: "ليس شيء في الميزان أَثْقلَ من حُسن الخُلُق"(6). الخُلُقُ بضم اللام وسكونها: وهو الدِّين والطبْع والسجية. وحقيقته أَنه صورة الإِنسان الباطنة، وهي نفْسُه، وأَوصافها، ومعانيها المختصةُ بِها؛ بمنزلة الخَلْق لصورته الظاهرة، وأَوصافها، ومعانيها)(7وفي القاموس: (خالَقَهُم: عاشَرَهُمْ بِخُلُقٍ حَسَنٍ.‏)(8)

فكانت الأخلاق في اللغة إذن؛ هي: التصرفات الإنسانية، الصادرة عن أوصاف النفس وسجاياها الباطنة. أو هي سيماء النفس وصورتها الباطنة.

2 ـ الأخلاق في التعريف الفلسفي:

أما مفهوم (الأخلاق) في الفكر الفلسفي، فلم يستطع أن يخرج عن نطاق تمجيد (الأنا)، على حد تعبير الأستاذ بديع الزمان النورسي، كما سيأتي بدليله. بدءا بالفكر الفلسفي اليوناني وانتهاء بالفلسفة الغربية الحديثة. لقد سكنت (الأنا) لاشعور الفلسفة، عير مسيرتها التاريخية، منذ تبلور التفكير الفلسفي مع قدماء اليونان، حيث كان الفكر الوثني أصلا هو الإطار الثقافي الذي تخلقت فيه الفلسفة الأولى. فكان لذلك دور كبير في (استصنام) الأفكار الفلسفية، وتوثينها؛ إذ كان الفيلسوف اليوناني في الحقيقة مصارعا للآلهة ومنازعا لها في (الهيمنة) على الكون، مما سجله (هوميروس) في ملاحمه الكبرى. إن فكرة (الصراع) التي طبعت الوجدان الفلسفي اليوناني قد حكمت عليه بالذاتية (الاسمية)، والرغبة في تأليه الإنسان إلى الأبد. فكانت الفلسفة بذلك تدور على محور استصنام (الأنا) عبر تاريخها الطويل. ولم تستطع أن تتخلص منها حتى في صورتها المشائية الإسلامية وصورتها المسيحية على السواء، أي مع الفلاسفة المشائين المسلمين، وفلاسفة القرون الوسطى من المسيحين!

فقديما انطلق أفلاطون في نظريته الأخلاقية من مفهوم (الخير الأسمى) أو (الخير بالذات)؛ مما يوحي بالمثالية المطلقة والمجردة عن الأهواء، لكنه لما أراد تطبيق ذلك على (جمهوريته المثالية) أو ما سمي في الترجمات العربية القديمة (بالمدينة الفاضلة)؛ لجأ إلى ما يمكن تسميته (بالكذب الفلسفي). حيث أنه لم يجد حرجا في لجوء الحكام والفلاسفة أحيانا إلى الكذب الصراح؛ لخداع المواطنين من الطبقة الدنيئة بدناءتهم، وقطع كل أمل في تغيير أوضاعهم الاجتماعية، بينما لا يجوز لهؤلاء المواطنين أن يخدعوا الحكام. ويكون ذلك الكذب الضروري بالقول بأن المعدن الذي خلقت منه كل طبقة مختلف عن المعدن الذي خلقت منه الأخرى!(9) وهكذا آل أمر نظرية الأخلاق الأفلاطونية إلى تمجيد (الأنا) الطبقية للحكام والفلاسفة وطبقة المترفين!

وانتقلت هذه (الأنا) الوثنية إلى فلاسفة الإسلام، حيث تجلت بصورة أخرى لدى فيلسوف الأخلاق المسلم ابن مسكويه؛ الذي لم يستطع التحرر من أثر الفلسفة الأخلاقية، لدى فلاسفة اليونان ـ رغم محاولته التوفيق بين الفلسفة والشريعة، على غرار سائر فلاسفة الإسلام ـ حيث كان يرى أن غاية الأخلاق هي تحقيق السعادة، وما السعادة إلا نوع من تحقيق الاكتفاء الذاتي على المستوى الوجودي، كما هو عند الملائكة وعند الله(!) وهو ما قال به الفارابي أيضا، حيث اعتبر أن غاية السعادة هي تحصيل الكمال الذاتي(10)، وإنما هذا من خصائص الحضارة اليونانية، التي كانت ترى أن استعمال العقل في التأمل  يجعل الإنسان يشارك الآلهة في حياتها!

وعندما انتقلت النهضة الفلسفية إلى بلاد الغرب ازداد التوغل الأناني في التفكير الأخلاقي لدى فلاسفة أروبا؛ انطلاقا مما ورثوه عن أفلاطون وأرسطو؛ وما آلت إليه من نرجسية متألهة على يد فلاسفة القرون الوسطى المسيحيين، الذين اصطبغت فلسفتهم بنوازع (الأنا)، وطلب السعاة المطلقة، كما عرفها فلاسفة اليونان الوثنيين. لكنها هنا تلبست بلبوس مسيحي، كما هو الشأن عند توماس الأكويني الفيلسوف المثالي في العصور الوسطى(11)، ثم عند (عمانويل كانط) شيخ الفلسفة في العصر الحديث(12)، ولم تزل الرغبة في تحقيق سعادة (الأنا) هي أساس التفكير الأخلاقي في الفلسفة الغربية؛ حتى تطورت الأخلاق إلى (المذهب النفعي) في صورته المادية(13)؛ بفعل التحولات الاجتماعية العميقة التي شهدتها أروبا؛ استجابة لتطور الأوضاع الصناعية؛ ابتداء من القرن الثامن عشر الميلادي، كما أثبته مؤرخ الفلسفة الغربية الفيلسوف الانجليزي (برتراند رسل)، الذي قال: (لقد اشتق مذهب المنفعة من نظرية أخلاقية ترجع بوجه خاص إلى هتشسون، الذي كان قد عرضها عام: 1725م، وترى النظرية باختصار أن الخير هو اللذة، والشر هو الألم)(14). ولم تزل كذلك؛ حتى آلت إلى النفعية الحديثة، سواء في صورته الماركسية؛ أو في صورتها الليبيرالية. وهكذا تطورت النظريات الفلسفية الأخلاقية إلى ما انطلقت منه ابتداء، من مثل فلسفة أفلاطون الذي بنى جمهوريته على توظيف الكذب لاستغلال الشعوب. وذلك هو بالضبط جوهر (العولمة) في صورتها الجديدة.

3 ـ التعريف النوري: وأما في اصطلاح بديع الزمان النورسي؛ فالأخلاق هي:

ـ الأخلاق: هي نظام القرآن الذي يطبع صورة الروح الإنسانية بماهيتها، ويسلك بها مدارج التربية والمجاهدة؛ لاكتساب معناها الكوني.

ولتبين التصور الشمولي لهذا التعريف، الذي ركبناه من استقراء نصوص رسائل النور، كما وضعها بديع الزمان رحمه الله؛ فإنه يجدر بنا أن ندرس عناصره فقرة فقرة؛ حتى يتسنى لنا تبين جوهر المفهوم الذي استنبطه بمنهجه التفكري من القرآن العظيم. وبيان ذلك هو كما يلي:

1.3 ـ الأخلاق نظام القرآن:

إن الهم الرسالي الذي كان يحمله بديع الزمان رحمه الله، والقصد الإصلاحي الذي كان يسكن وجدانه وهو يكتب رسائل النور؛ جعله يمضي في تدبره للقرآن، وتفكره في أحوال النفس والمجتمع؛ فقاده ذلك إلى اكتشاف حقيقة الأخلاق في القرآن. حيث عرضها بعد ذلك في رسائله على أنها هي كل نظام القرآن، أي النسق الكلي للقرآن. فرسالة القرآن إنما جاءت لتصنع مجتمعا قائما على أساس الأخلاق، بمعنى كلي. فكل التصرفات البشرية في العلاقات النفسية، والاجتماعية، والوجودية، مع سائر الكائنات؛ إنما هي أخلاق. وهذا مفهوم خاص لمعنى (أخلاق)، الذي يحصره بعضهم فقط في مجال (الفضائل)، بمعناها الاجتماعي الصرف. و(الفضائل) ـ في المعنى السائر المتأثر بالدلالة الفقهية ـ مفهوم موح بنوع من النفل الزائد، الذي يفعله الإنسان تطوعا. وهذا معنى فرعي، بينما تصور النورسي للأخلاق قائم على أنها (أصول) لا (فروع)، كما سيأتي بنصه وتعبيره، وعلى أنها (قانون) بمعنى نظام مطرد، ونسق كلي، ولسيت أحوالا تقبل الحدوث كما تقبل التخلف؛ وعلى أنها (قواعد) بمعنى ضوابط، سيقت لتكييف السلوك الإنساني، والتصرف البشري تكييفا تربويا، وفق ميزان معين، ثابت، لا يلحقه العبث ولا تثلمه الفوضى. إن تصور الأخلاق على أنها (فضيلة نافلة) هو مفهوم جزئي. والاقتصار عليه يؤدي إلى تحريف الدلالة القرآنية، ذات البعد الشمولي العميق لمصطلح (أخلاق). وأحسب أن تحقيق مفهوم الأخلاق نوع من التجديد، الذي رامه بديع الزمان، في عرض حقائق القرآن، من خلال رسائل النور، وهو يتحدى الغزو الفكر والخلقي الغربي. إن تصور النورسي لهذا المعنى المستنبط من القرآن قائم على دلالة أخرى تماما. إنه دال عنده على كل الحركة الإنسانية في النفس والمجتمع، فلا يبقى بعد ذلك شيء من تصرف الإنسان إلا وهو مشمول بمصطلح (الأخلاق). ومن هنا صح أن يكون القرآن ـ كل القرآن ـ إنما جاء لبناء الأخلاق، بهذا المعنى الشمولي الواسع. وذلك هو منطوق حديث عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن خلق النبيe فقالت قولتها المشهورة: (كان خلق القرآن)(15) هكذا على سبيل الاستغراق الشامل لكل القرآن. وهو أيضا قول النبيe في الحديث المشهور: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق)(16) هكذا بهذا الحصر الشامل المستغرق لكل مقاصد البعثة المحمدية. فكان إذن أن القرآن كله ـ من حيث هو نظام رباني، أنزله الله لتنظيم حياة الإنسان التعبدية والنفسية والاجتماعية ـ إنما هو نظام للأخلاق. ولذلك بيَّن بديع الزمان النورسي أن أخلاق القرآن قد وسعت ـ بهذا المعنى ـ كل ما جاءت به الكتب السماوية السابقة وزيادة. قال رحمه الله: (إن أصول الأخلاق في القرآن عالية علوّ ما جاء في كتب الديانات الأخرى جميعها. وإن أخلاق الأمم التي دانت له تحولت بتحول الأزمان والعروق (...) إن أهم نتيجة يمكن استنباطها هي تأثير القرآن العظيم في الأمم التي أذعنت لأحكامه، فالديانات التي لها ما للإسلام من السلطان على النفوس قليلة جداً، وقد لا تجد دينا اتفق له ما اتفق للإسلام من الأثر الدائم، والقرآن هو قطب الحياة في الشرق وهو ما نرى أثره في أدقّ شؤون الحياة)(17).

ولذلك فإن التغيير الذي أحدثه القرآن في المجتمعات التي دانت له كان عميقا وجذريا. إنه بهذا المعنى الذي قدمه للأخلاق؛ غيَّر البنية الثقافية والوجدانية، لكل الأعراق التي انتسبت إليه، وجعلها منصهرة في نسق واحد، ونظام واحد، هو أخلاق القرآن. إن دمج العرقيات والجنسيات المختلفة والمتناقضة؛ لغة، وتاريخا، وسلالة، وعادات وتقاليد...إلخ، في خفقة وجدان واحد؛ لهو من أغرب المستحيلات قطعا! ولكن ما (المعجزة) إن لم تكن هي صناعة المستحيل؟ وما القرآن إن لم يكن هو كتاب الإعجاز الأول بلا منازع؟

إن كثيرا من الأحكام الدينية، والتشريعات القرآنية، التي دأب بعض الكتاب على تصنيفها خارج مفهوم الأخلاق، جعلها بديع الزمان من صميم الأخلاق، وأصولها. إن القوانين التشريعية الإسلامية كلها؛ إنما أنزلها الشارع الحكيم على أنها سلوك خلقي لا مجرد قانون ملزم؛ شريعةً وعقوبةً. بل إن السر في التزام الناس بالقانون التشريعي الإسلامي إنما يرجع إلى عمقه التخلقي الرفيع. فهذا الجمع والتوفيق بين الأمرين هو الذي سعى به القرآن لبناء الإنسان. إن بديع الزمان لم يكن يرى في نصوص التشريع إلا نظاما أخلاقيا اجتماعيا بديعا. قال رحمه الله في نص عجيب، مكتنز بحكم بالغة: (إن القرآن يجد الحلول لجميع القضايا، ويربط ما بين القانون الديني والقانون الأخلاقي، ويسعى إلى خلق النظام، والوحدة الاجتماعية، وإلى تخفيف البؤس والقسوة والخرافات. إنه يسعى إلى الأخذ بيد المستضعفين، ويوصي بالبر، ويأمر بالرحمة. وفي مادة التشريع وضع قواعد لأدق التفاصيل للتعاون اليومي، ونظم العقود والمواريث، وفي ميدان الأسرة حدد سلوك كل فرد تجاه معاملة الأطفال والأرقاء والحيوانات والصحة والملبس... الخ)(18).

إن أدق أحكام القرآن الجزئية في التشريع الاجتماعي مثلا؛ ما هي إلا عنصر من عناصر نظام الأخلاق، سواء كانت من أحكام المواريث كما رأيت في النص المذكور، أو من أحكام العقود...إلخ. كل ذلك وما في معناه ـ مما قد لا يبدو للناظر، غير الخبير بطيعة القرآن؛ أنه ذو بعد أخلاقي ـ إنما هو تشريع راجع إلى مفهوم (التعبد) في الإسلام. وإنما مفهوم التعبد قائم على معنى (المحبة). وذلك هو جوهر الأخلاق في الدين. (المحبة) هي أساس التشريع الإسلامي. وأي خُلُق صالح في سلوك الإنسان خارج عن معنى المحبة؟ وأي آية لا ينتظمها ذوق المحبة في القرآن؟ فمن أهم الفروق ـ التي ذكرها النورسي ـ بين الفلسفة والشريعة؛ أن هدف الفلسفة إنما هو (المنفعة)، بينما الشريعة (هدفها: الفضيلة بدلاً من المنفعة، والفضيلة من شأنها: المودّة والتجاذب)(19).

ومن هنا أبصر بديع الزمان أن كل آي القرآن مشع بنور المحبة؛ فضلا عن الآيات التي يصنفها العلماء على أنها آيات الفضائل، التي سيقت أصالة لذلك، والتي هي ظاهرة في النطق بكل معاني الحب.

قال رحمه الله: (لا تجد في القرآن آية إلا توحي بمحبة شديدة لله.. وفيه حث كبير على الفضيلة ـ خلا تلك القواعد الخاصة بالسلوك الخلقي ـ وفيه دعوة كبيرة إلى تبادل العواطف، وحسن المقاصد، والصفح عن الشتائم، وفيه مقت للعجب والغضب، وفيه إشارة إلى أن الذنب قد يكون بالفكر والنظر، وفيه حض على الإيفاء بالعهود حتى مع الكافرين، وتحريض على خفض الجناح والتواضع، وعلى استغفار الناس لمن يسيئون إليهم، لا لعنهم. ويكفي جميع تلك الأقوال الجامعة، المملوءة حكمة ورشداً؛ لإثبات صفاء قواعد الأخلاق في القرآن. إنه أبصر كلّ شئ!)(20).

إن الجمال والمحبة أمران مرتبطان. وبما (أن الله جميل يحب الجمال) كما في الحديث الصحيح(21) فقد تسلسل الكون بشعاع المحبة الصادر عن جمال الأسماء الحسنى. فكان كل من عَبَدَ الله حقا؛ منتسبا إلى ذلك النور، ومتخلقا بذلك الخلق الكلي الشامل: المحبة. ومن هنا ارتباط الأخلاق الإسلامية بنظام الكون، من حيث كونه يمثل انعكاسا نوريا للأسماء الحسنى؛ وبنظام القرآن من حيث كونه ناطقا بحقائق الكون، وناظما لها في سلك العبودية؛ وبهدي النبوة من حيث كونها أرفع نماذج ذلك الانعكاس والامتثال. ولبديع الزمان نص بديع في بيان هذه العلاقات النورية المتوالية في الكون، التي تضرب بنظام الأخلاق القرآني في الامتداد الكوني كله. قال رحمه الله: (لمحبته سبحانه لجماله؛ يحب حبيبَه صلى الله عليه وسلم  إذ هو مرآة ذلك الجمال، ولمحبته لأسمائه الحسنى يحب حبيبه صلى الله عليه وسلم   وإخوانه، إذ هو المدرك الشاعر لتلك الأسماء .ولمحبته لصنعته سبحانه يحب حبيبه صلى الله عليه وسلم  وأمثاله، إذ هو الدال على صنعته والمُعْلِن عنها، ولمحبته لمصنوعاته سبحانه يحب Dernière mise à jour de cette page le 27/03/2006

Créer un site internet gratuit avec E-monsite.com - Signaler un contenu illicite - Voir d'autres sites dans la catégorie Pages personnelles
Videos Droles - Clips musique - Cours création de site web