سلسلة رسائل العين - الإيجابية في حياة الداعية : للدكتور عبدالله بن يوسف الحسن

 

سلسلة رسائل العين

الرسالة الخامسة

 

 

 

 

الإيجــــــــابية

في حيــــــــــــاة الداعيـــــــــــة

 

 

 

 

.*.*. الدكتور : عبدالله بن يوسف الحسن .*.*.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الإيجــــــــابية في حيــــــــــــاة الداعيـــــــــــة

 

مقدمة

* الداعية الإيجابي....مسلم ذو قبضة حديدية.... يقول: ينبغي أن يكون هذا...

بعزم!.. وحزم!... وإرادة لامعة .. .

فيكون بإذن الله.

* إذا قال:... فَعَل ….

وإذا نوى:... اقتحم...

* وله ميراث من يحيى عليه السلام لما قيل له: "يا يحيى خذ الكتاب بقوة،،

* وهو كتاب الإيمان عنده..

وسطر الحضارة..

وحرف التمدن..

بغلاف العلم...

* فيأخذ صعدا في طريق الإبداع .. ..

ويبتكر .. .. و يبادر

*ولكون إبداعه كثير التنوع، لا يحده إطار، و إنما هو واسع.... سعة الزمان والمكان...

* وبضيف الطارف الجديد.. إلى الشامخ التليد...

 

 

 

الإيجابية في حياة الداعية

 

لقد قادت المناهج التربوية في بعض المجموعات الدعوية ومن خلال الممارسة المستمرة، وحسن الأداء، والمراقبة، إلى تثبيت وترسيخ بعض المفاهيم التربوية بشكل جيد ، ولعل أحد اكثر هذه المفاهيم شيوعاً واستقراراً و تفهماً مفهوم الطاعة في المنشط و المكره، وأدى ترسخ هذا المعنى إلى وحدة الصف، ودفع بعض آثار الفتن، وتفويت الفرص أمام الحركات الضرارية ، كما أدى الالتزام به إلى إتقان تنفيذ متطلبات الحركة، وضمان استمرار حركتها، رغم أن الحاجة لا تزال مستمرة لتوضيح هذا المعنى، والتأكيد عليه من خلال الكتابات الدعوية ، و من خلال المراجعة الدائمة لما كتب فيه.

 

ولكن لابد في الوقت نفسه، من مناقشة مسألة قد تترافق مع هذا المفهوم الجيد والواضح، إذ أن بعض الممارسات الخاطئة والمبالغة في فهم الطاعة بمفهومها الضيق، دون أن تترافق بمفهوم ( السمع ) الذي يعني التفهم والإدراك والوعي، والذي غالباً ما يرد في النصوص الشرعية مع الطاعة، قد أدى إلى ظهور سلبية كبيرة ألا وهي اعتماد الدعاة في عملهم و تنفيذاتهم اعتماداً كلياً على الخطط، وأن تكون جميع أعمالهم مرهونة بما يصدر إليهم من توجيه، دون الاعتماد على أنفسهم في إيجاد منافذ العمل، أو اتخاذ زمام المبادرة إلى الحركة والعطاء، وإنما اتخاذ الموقف الإنسحابي وانتظار تنفيذ الأوامر فحسب.

 

إن هذه السلبية في الدعاة تحتاج إلى مناقشة ودراسة، لأنها أصبحت تشكل عائقاً في طريق العمل، وأحد أسباب الفتور الواضحة. ولا يمكن أن يقتصر تعليلها على رواسب التربية الخاطئة بمفهوم الطاعة المجردة، رغم أن من المؤكد أن بعض الممارسات التربوية لها أثر في حصول هذه السلبية، إضافة إلى تأثير مجموعة أخرى من العوامل، لعل منها ضعف القابليات الفطرية، والمناهج التربوية المدرسية القاصرة في مدارس العالم الإسلامي، التي لا تساعد على تفجير الطاقات الإبداعية مع عدم توفر الدوافع النفسية والمادية، وجنوح الفرد في المجتمعات الشرقية إلى الانزواء والكسل، وغير ذلك من العوامل التي تشكل بمجموعها أثرا نفسيا بالغا في تكون النفس السلبية.

 

 

 

خاطئـــــــ مفاهيم ــــــــة  

 

ولا يخفى كذلك عامل إدراك المربين لمفهوم (التقوى) بطريقة خاطئة، ليست على منهج السلف، فالإيماء الذي تتركه بعض كتب التصوف، وارتباط فكرة الخمول والإنسحابية بالتقوى، أو تصور ارتباط الورع بمقدار الابتعاد عن مظاهر الشهرة، أو التأثر ببدعة الإرجاء، قد انعكس بعض ذلك على بعض الدعاة بشكل بيّن في سلوكهم، حتى جاء مفهوم الطاعة ليركز هذا المعنى، فيؤدي إلى اعتماد الدعاة اعتماداً كليا على مربيهم في تنفيذ الواجبات الدعوية ، أو في قضايا التخطيط، وبالتالي تقلصت الجهود الفردية إلى أقصى حد، أو كادت تتلاشى القدرات الإبداعية في الدعاة، فصار لزامآ بحث هذا الأمر كظاهرة دعوية، وإيجاد الحلول لها، وقد يزداد نمو الظاهرة، كما تزداد خطورة المسألة مع مرور الزمن، و خصوصاً عند غياب العناصر القديمة، وتوسع العمل، والحاجة إلى أنماط جديدة من النشاط تحتاج إلى مزيد من العناصر الحية المبدعة. وكذلك فإن توسع قاعدة الجماعة، وتغير ظروف العمل، وامتداد الصحوة الإسلامية، وتباين أنماط التحرك، كلها تقود _ بالضرورة ـ إلى أهمية الاعتناء بتربية الجانب الإيماني في نفس الداعية، وتنمية روح الإبداع الخاص، واستلهام زمام المبادرة إلى الأعمال المثمرة دون انتظار الأوامر والركون إلى الدعة اعتماداً على الخطط وحدها .

 

فردية التكليف

 

إن أول دوافع الإيجابية التي يجب أن يتذكرها الداعية هو أن مناط التكليف فردي، وأن كل فرد سيحاسب يوم القيامة فرداً ، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وإن كان المرء يحاسب عن عمله في الجماعة، وبعض التكاليف لا تتم إلا بجماعة، أو من خلال تجمع جماعي، ولكن الحساب بالثواب والعقاب لا يكون إلا فردياً، ومن الإيمان بهذا المنطلق يجب أن ينحصر تفكير الداعية فيما يجلب له الأجر، ويقربه إلى الطاعة، دون أن يكون تبعا، وأن يمتلك زمام المبادرة إلى الطاعات دون الالتفات إلى عمل فلان أو قول فلان، ولا يجب أن تقعده نشوة الطاعة، ولا تثبطه أثقال المعصية، ولا ينتظر الإذن بالعمل من شخص ما، إلا ما كان جزءا من خطة، بل يفكر الداعية بنفسه أنه سيحاسب يوم القيامة عن أعماله، وعما قدم، ولا يسأل عن الآخرين، كما أن عليه أن لا يرنو ببصره إلى غيره، فقد يكون لهم من الأعذار ما يمنعهم عن شيء ما، أو ليس لهم من الهمة والطاقة ما يمكنهم من أداء عمل ما، و يستطيع هو أداءه، فلا يثبطه الشيطان، أو تقعد به ثقلة الحياة الدنيا، والداعية _ بنفس الوقت _ عليه أن ينصب رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ قدوة عملية أمام عينيه، ولا يجعل الأشخاص الآخرين- أياً كانوا مثالاً له، فقد يفتح الله عليه من الهمة أكثر من الآخرين، أو يوفقه الله _ تعالى _إلى عمل يتفرد به، أو إلى فضل يؤثره فيه، فلله في خلفه شؤون، وهو المتفضل على عباده، وقد يختص برحمته من يشاء وكيفما يشاء.

 

لا تكلف إلا نفسك  

 

لقد توارد معنى الإيجابية، وتكرر في القرآن الكريم بصور شتى وأساليب متنوعة، ليتركز مفهوم فردية التكليف، و بالتالي ذاتية العمل، وما ينعكس عن ذلك من تثبيت مفهوم إيجابية الداعية في العمل والمثابرة، ومنها أوضح آية في كتاب الله_ تعالى _ تحدد معنى الإيجابية، ألا وهي قوله تعالى:

"فقاتل في سبيل الله، لا تكلف إلا نفسك، وحرض المؤمنين... ". والمعنى واضح في أمر الله تعالى لنبيه في عدم تكليف أحد إلا نفسه ، وأن لا ينتظر إعانة من أحد، رغم أن المعلوم من الشريعة أن الأمة كلها مكلفة بالجهاد، ولكن المعنى أن يفترض كل مسلم من الأمة_ والقدوة في ذلك نبيها_ صلى الله عليه وسلم _أنه وحده المكلف بالأداء، وأن الله قادر على نصره، وينحصر واجبه في تحريض المؤمنين.

(كأن هذا المعنى: لا تدع جهاد العدو، والإستنصار عليهم للمستضعفين من المؤمنين، ولو وحدك، لأنه وعده بالنصر..

قال الزجاج : أمر الله تعالى رسوله _ صلى الله عليه وسلم _ بالجهاد، وإن قاتل وحده، لأنه قد ضمن له النصرة.

وقال ابن عطية: هذا ظاهر اللفظ، إلا أنه لم يجئ في خبر قط، أن القتال فرض عليه دون الأمة مدة ما، فالمعنى_والله أعلم _ أنه خطاب له في اللفظ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه، أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له: (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك) ، ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يجاهد ولو وحده، ومن ذلك قول النبي _صلى الله عليه وسلم : " والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي "، وقول أبي بكر _ وقت الردة-: ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي )[1]

فلينظر _ بتأمل _لاستنباط القرطبي (رحمه الله) أن يجاهد المسلم- ولو وحده- إقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم-، وما أدركه أبو بكر - رضي الله عنه - للإيجابية من خلال النصوص.

 

 

 

موقف من هدهد

 

ولعل كذلك إحدى الصور البليغة التي يستشهد بها من القرآن الكريم قصة الهدهد مع نبي الله سليمان- عليه السلام-، إذ يبرز مفهوم الإيجابية واضحا.. إذ كيف سار الهدهد بمفرده دون تكليف مسبق، أو تنفيذ لأمر صادر، و جلب خبرا للقيادة المؤمنة أدى إلى دخول أمة كاملة في الإسلام، وبالطبع فإن تقفد الأمير للأتباع، وأخذه الأمر بالحزم، ثم المحاسبة، وتبين العذر.. كل ذلك من أسس الإدارة، وقواعد التخطيط، ومناهج التربية، وقد وصف القرآن الكريم عمل هذا الهدهد بقوله: "فمكث غير بعيد، قال أحطت بما لم تحط به، وجئتك من سبأ بنبأ يقين. إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم "[2]

 

وبالطبع، فلا يعني الاستدلال: الحرص على التسيب، وإنما المقصود الأخذ بمعنى الإيجابية الهادفة بضوابطها، دون الخروج على أهداف الجماعة ووسائلها، أو مبادئها العامة، أو أن تكون على حساب الأوامر والأعمال الراجحة، وما إلى ذلك مما هو معلوم، بل وإن نفس القصة لتدل على ذلك حيث سمة اليقظة والدقة في العمل، وتفقد الأفراد والحرص عليهم، وضرورة الطاعة والمحاسبة عليها، ثم الحزم القيادي وعدم التسيب في معالجة الأمور، ثم الإصغاء للأتباع ومعالجة المواقف، وغير ذلك مما هو ليس مجال الاستدلال له، ولكن الاستدلال لطبيعة الهدهد صاحب الذكاء والوعي والإدراك والإيمان، حيث استغل فرصة ما ليبلغ خبراً مهما، حرصاً منه على تبليغ الرسالة، وطمعاً في نشر التوحيد، مع براعة في حسن الأداء، وجودة العرض، وشجاعة الاعتذار.

 

وما اختيار القصة إلا للاستدلال بها،كي يؤخذ من ثناياها ثلاثة أمور يستنبط بالأدنى منها على الأعلى

 

   ü    فالداعية أولى من الهدهد بالعمل الإيجابي، والسعي وراء المصالح، والبحث عن الخير، فما من أفضلية خاصة لهذا الطائر الاعتيادي، إذا تجاوزنا الإسرائيليات أو المبالغات التي لا تسندها النصوص، والمؤمن الداعية أدعى أن يقوم بالعمل المثمر، دون انتظار أوامر أو تعليمات من الأمير.

 

   ü    والنظر إلى قيادات العمل الإسلامي في عدم توقعها القيام بكل الخطط، وتوجيه جميع الأوامر أولى، فهذا نبي الله المؤيد بالوحي من جهة، وسخرت له الجن والطير، لم يكن قادراً على الإحاطة بجميع الأمور، ولم يمكن ملماً بجميع المعلومات، فاحتاج إلى معلومة صغيرة، من طائر صغير، فكانت إيجابية التابع عوناً لعمل الأمير.

 

   ü    وكذلك يستدل بالعمل الصغير _ كنبأ ومشاهدة قوم يعبدون الشمس من دون الله _ للاهتمام بما هو أكبر من ذلك، وقد تقوم إيجابية الداعية بجلب منافع أكبر من الأخبار، وأهم من الشواهد.

 

وهكذا يستدل على التابع والمتبوع ونوع العمل من قصة الهدهد لاستلهام ما ينبغي أن يكون عليه الواقع الدعوي ، من إيجابية الدعاة، وعدم الاعتماد _ في كل أمر _ على الأمراء، مع تنوع الأعمال، وعدم استصغار ما دقَّ منها.

 

القاعــــــ المغبون ـــــــــد

 

وعلى المسلم الكسول أن يتذكر دوما أنه مغبون ما دام في صحة وعافية وعنده رزقه، وأن لا يفوت شيئاً من أوقاته، أو يضيع عمره سدى، لأن كلأ من صحته وفراغه رأس ماله في الحياة الدنيا، وعليه أن ينفقهما_ في سبيل الله _ طلبا لربح الآخرة، وإلا فاته الوقت، وأدركه المرض المانع، أو الهم القاطع، وترك الإيجابية في العلم، أو زمام المبادرة، وهو منتهى الكسل، وتمام الفتور، والسلبية- في أحسن حالاتها- اكتفاء برأس المال فقط.. وفي أول كتاب الرقائق من صحيح البخاري عن ابن عباس قوله. صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) دليل على أن احتفاظ الداعية والمؤمن عمومآ بصحة وفراغ دون عمل

غبن كبير، وسلبية مفرطة..

(قال ابن بطال: معنى الحديث أن المرء لا يكون فارغاً حتى يكون مكفياً صحيح البدن، فمن حصل له ذلك فليحرص على أن لا يغبن بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومن شكره امتثال أوامره، و اجتناب نواهيه ،  فمن فرط في ذلك فهو المغبون، وأشار بقوله: (كثير من الناس) إلى أن الذي يوفق لذلك قليل...

 

 

 

وقال ابن الجوزي: قد يكون الإنسان صحيحا ، ولا يكون متفرغاً لشغله بالمعاش ، وقد يكون مستغنياً ولا يكون

صحيحاً ، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبون ، ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون، لأن الفراغ يعقبه الشغل والصحة يعقبها السقم، ولو لم يعقبهن إلا الهرم...

 

وقال الطيبي: ضرب النبي _ صلى الله عليه وسلم _ للمكلف مثلاً بالتاجر الذي له رأس مالا فهو يبتغي الريح مع سلامة رأس المال، فطريقه في ذلك أن يتحرى فيمن يعامله، ويلزم الصدق والحذق لئلا يغبن، ومجاهدة النفس وعدو الدين، ليريح خيري الدنيا والآخرة، وقريب منه قول الله تعالى: " هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم " الآيات، وعليه أن يجتنب مطاوعة النفس، ومعاملة الشيطان، لئلا يضيع رأس ماله مع الريح "[3]

 

 

إيجابية الجيل الرباني

 

ومن خلال تربية المصطفى_ صلى الله عليه وسلم _ الصحابة، صار كل صحابي أمة لوحده، وما من صحابي إلا وله سمة معينة، وموقف خاص، وإبداع متميز، فمنهم من أشار واقترح، ومنهم من أوضح وشرح، ومنهم من أضاف واستدرك، فيما يخدم الدعوة وحركة الإيمان، فسلمان الفارسي يستفيد من خلفيته الحضارية ويقترح حفر الخندق، وحباب بن المنذر يقترح الوقوف في بدر على الماء، وآخر ينصب المجانيق في غزوة الطائف، وأبو بصير يخطط لحرب عصابات بعيدا عن بنود صلح الحديبية، وعمر بن الخطاب يقرب سيفه في نفس الهدنة من أبي جندل طمعا في أن يستله ويقتل أباه دون مؤاخذة على نقض المعاهدة، و يستلم خالد بن الوليد الراية يوم مؤتة بلاتأمير، رضي الله عنهم أجمعين.

 

والمتتبع لمعارك القادسية واليرموك، والجسر والبويب، يجد لكل صحابي فيها موقفا مشهودا.

وللصحابة والتابعين بطولات وجولات، نستل منها فقط قصة ذلك المجهول في القادسية صاحب الإبداع عند ملاقاة الفرس حيث نفرت خيل المسلمين من الفيلة..

 

(فعمد رجل منهم فصنع فيلا من طين، وأنس به فرسه، حتى ألفه، فلما أصبح: لم ينفر فرسه من الفيل، فحمل على الفيل الذي كان يقدمها، فقيل له: إنه قاتلك، قال: لا ضير أن أقتل، ويفتح للمسلمين)[4]

 

ولو ترك الجانب العسكري، لرأينا في الجانب الاقتصادي ذلك الصحابي الذي تؤرقه كثرة أبناء المهاجرين والأنصار فينقل زراعة القمح للحجاز، وعبد الرحمن بن عوف يختبر السوق، فيصفق لنفسه حتى لا يكون عيالاً على غيره، وكل ذلك كان يتم دون أوامر، بل بمبادرات من الصحابة أنفسهم، رغم الإيمان التام بكفاية القائد المؤيد بالوحي، ورغم الاستعداد التام للطاعة المطلقة، وذلك لإيمانهم الجازم بضرورة العمل الإيجابي.

 

وكذلك في إطار الفكر والتربية يسارع عبد الله بن عمرو لتدوين الحديث، وزيد ابن ثابت لجمع القرآن، إضافة إلى مسارعته لتعلم العبرانية والسريانية إذ قال عن نفسه:

(... قال لي رسول الله: أتحسن السريانية؟ قلت: لا، قال: فتعلمها، فتعلمتها في سبعة عشري وما)[5]

 

وابن عباس يجد بغيته الدعوية في الخروج للأسواق والسلام على الناس، وصحابية تطالب الرسول- صلى الله عليه وسلم- بحق النساء فتجمعهن للسماع، وتنقل أسماء بنت عميس بعض تجارب أهل الحبشة في كفن المرأة.. وغير ذلك.

وفي الإطار الإجتماعي، يسابق بعضهم بعضاً في التزاور والضيافة، ويتحاور أبو الدرداء مع سلمان ليبت الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ في أمر المناقشة حول حقوق العيال وقيام الليل.

 

 وللجدد .. .. مواقف

 

وفي تاريخ من أسلم من النصارى عبر التاريخ، قصص وعبر، ومبادرات إيجابية، وقصص الأندلس طافحة بهذه الأمثلة، وقبلها ما حصل عند الروم، وبينها مبادرات في إفريقية، أو في فتوحات العثمانيين في أوروبا، كقصة البطل الألماني _ صانع المدافع _ الذي استشهد في معارك جزيرة رودس، وكل هؤلاء الأبطال لهم سلف في عمل النجاشي _ رحمه الله _ الذي أسلم، وظل في قومه.

ويكتفى هنا بقصة الأمير القاضي أبو محمد عبيد الله بن صليعه، الذي قرر مع رعيته النصارى، أن يخدع الفرنج ويظهر أمامهم بمظهر الخائن، ووعدهم أن يعينهم إن هم تسللوا إلى برج سماه لهم، فكان من قائد الفرنج أن انتدب من شجعانهم ثلاثمائة، فطالعهم النصارى في حبال، وكلما طلع واحد، قتله ابن صليعه، حتى أباد الثلاثمائة... ثم حاصروه، ودكوا برجه، فأصبح وقد بناه في الليل)[6]

 

فانظر إلى العزيمة في الأداء، والإيجابية في العمل، دون النظر لما يقول الآخرون، أو حباً لشهرة يراها المسلمون، وللقصة تفصيل- لا مجال له هنا- كما أنها غيض من فيض، ولكن يكتفى بالقليل اعتباراً بها، ودفعا للدعاة للبحث والنظر.

 

 سر الحضارة الإنسانية

 

والمتتبع للحضار

Dernière mise à jour de cette page le 24/03/2006

Créer un site internet gratuit avec E-monsite.com - Signaler un contenu illicite - Voir d'autres sites dans la catégorie Pages personnelles
Videos Droles - Clips musique - Cours création de site web