الإنسان وعنوان التربية

الإنسان وعنوان التربية...

                           إنجاز عبدالله بوسعيد.

إن ما يطبع هذا الكون ،بكل مكوناته ومفرداته وعناوينه، من جهة خصوصيته هو:

     أولا- وحدته من حيث أصل وجوده وحركته ومصيره.

    ثانيا- خضوعه لسنن ونواميس تحكم وجوده  وحركته واتجاهه.

     ثالثا- كل مكون من مكونات هذا الوجود رُكب، بقدرة الله تعالى وحكمته، تركيبا يجعله منسجما ومتناغما في سيره مع غيره من مكونات ذات الوجود.

    رابعا- الكون محكوم بالإرادة التكوينية

    خامسا- إنعامه تعالى على الإنسان، أهم مكونات هذا الكون، بخاصتي الاستخلاف والشهادة اللتان تجعلان منه عنصرا محوريا ومسئولا داخل المعادلة الوجودية..

 

     انطلاقا من هذه الخصوصيات يمكن أن نؤسس للاستنتاجات التالية:

       - صلاح الإنسان يتحقق من خلال استكشافه لهذه النواميس المبثوثة في كتابي الوحي المسطور و الكون المنظور، واعتمادها بصائر هادية إلى حركة عمارة الأرض وإلى الشهادة على الناس بما يضمن الانسجام والتناغم مع ذات الكون.وإلا وقع الاصطدام وعم الفساد في البر والبحر.. فسنن الله تعالى لا تحابي أحدا من أخذ بها وصل ومن أعرض عنها تعطل  

     - الإنسان صحيح أنه يتوحد مع الكون في اضطراره التكويني لكنه يتميز عنه بالاختيار التشريعي. فقد ترك الله له حرية اختيار دائرة انتمائه الديني والعقدي :' لا إكراه في الدين' ، 'إنا هديناه النجدين'

 

    يقدم لنا هذين  الاستنتاجين الموجزين والسريعين، صورة أولية عن الكائن البشري، فهو ذات عارفة لأن استكشاف النواميس والاهتداء بها لإقامة العمران وتسخير مفردات الكون أمور لا تستقيم بدون معرفة وعلم وقراءة، ولذلك علم الله أدم وذريته الأسماء كلها، وجعل البيان ملكة طبيعة له:' الرحمن خلق الإنسان علمه البيان' وكان أول بيان للناس :' اقرأ باسم ربك الذي خلق'.

  والمعرفة المطلوبة هي التي تتأسس على قاعدة الإخلاص لله عز وجل، لأنها في هذه اللحظة تؤدي بالضرورة إلى تمثل العنصر الثاني الذي يلي المعرفة ألا وهو عنصر المسؤولية:' إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ '(فاطر 35).

     فالأصل في الإنسان أنه مسئول، انطلاقا من كونه مستخلفا وشاهدا، فكونه مستخلفا معناه أنه مؤتمن على الإخلاص لله عز وجل وإقامة عدله وهذه مهمة كل الرسالات السماوية:' ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت' أي أن مهمة حملة الرسالة توحيد الله وإقامة عدله.

    وأما كونه شاهدا فمعناه حسب استقراء نصوص البيان القرآني أنه مكلف ب:

    - فهم واستيعاب وتمثل مقاصد الخلافة المتمثلة في الإخلاص والعدل.

    - بيان هذه المقاصد والإشراف على دعوة الناس والتزامهم بأحكام الشريعة ومقاصدها.

    - العمل من أجل مقاومة الانحراف واتخاذ كل التدابير الممكنة الضامنة لأمن وسلامة مسيرة            الاستخلاف.

    فالإنسان إذن، كائن عارف ومسئول بالقوة، لكن معرفته ومسئوليته لا تقوم أو تتأسس إلا على ذات حرة من كل القيود النفسية والاجتماعية والمادية وهذا الذي أولاه البيان القرآني- في دعوته للناس إلى إفراد الله بالعبادة من خلال عنوان شهادة الانتماء لدائرة الإخلاص والتوحيد- الأولوية على كل عناوينه ومفرداته، لأن كل ما عدا ذلك تحصيل حاصل، فالعقل الحر ينفتح تلقائيا للمعرفة الحقة وهذه بدورها تنتج التزاما بمنهج الله وشريعته، لتستقيم بعد ذلك الأنفس وتصلح الأحوال ويعم السلام وتتوحد الذوات والأرواح مع الكون في صف واحد تهليلا وتكبيرا  وتسبيحا وحمدا لرب الناس ومليكهم، وعليه فالحرية باب الهداية، والركن الركين إن وجد لإقامة العمران، والسبب الرئيس لخرابه إن فقد.

 

  ا وهكذا فالإنسان العارف والمسئول والحر هو منطلق وأساس الدورة الحضارية الشاهدة، وهو أمر صناعة، موكول لعنوان التربية حيث يتم من خلاله تعهد الفرد المسلم بالتكوين المستمر بما يرقيه في مراتب التدين تصورا وممارسة...

   بحسب هذا التصور فالصناعة التربوية صناعة شاملة لشمولية أهدافها، حيث إن التدين استجماع واع للمفاهيم المؤسسة للرسالة الإسلامية وأهدافها على مستوى التصور، وامتثال للمقتضيات والمطالب الشرعية على مستوى الممارسة.

   وهذا يستوجب توظيف كل الإمكانات المادية والمعطيات المعرفية حتى يمكن لهذه التربية أن تحقق أهدافها خاصة وأن طبيعة النوع البشري وواقعه متعدد العوالم ورحب الآفاق...

   فالتربية بحسب هذا التصور عملية معقدة يجب أن يراعى فيها كل ما يساعد على تمثل النظام الحضاري الأصيل روحيا وعلميا واجتماعيا وثقافيا...

 

 وغني عن البيان أن التربية بالإضافة إلى شموليتها فهي أيضا عملية مستمرة لها ثلاث أدوار :

     أولها – أنها عملية نقل للمعرفة التي هي مفاعل من القيم والمعايير المشكلة لهوية المجتمع ومساره الحضاري..

     ثانيها – أنها عملية تمثل لذات المفاعل والتزام بمقتضياته..

     ثالثها – أنها عملية خلق وإبداع في إطار المفاعل نفسه وعلى أساسه المرجعي.

 

   أما عن الأهداف العامة لهذه الصناعة فيمكن إيجازها في العمل على تخريج الفرد الصالح أي العارف والمسئول والحر، وذلك على أساس المركبات الآتي بيانها:

     أولا –  تنمية الكفايات الدينية والاجتماعية والكونية عند الفرد.

     ثانيا – تربية إرادته، وهي عبارة عن قوة الرغبة والاختبار، التي توجه الإنسان نحو فصد معين، بمعنى امتلاك القوة الدافعة التي يتولد منها الميل إلى الشيء أو النفور منه .

     ثالثا – إحكام تنمية القدرة التسخيرية التي يتم بمقتضاها اكتشاف نواميس الخلق في الكون والنفس، واستثمارها في تطبيقات نافعة لبقاء النوع ورقيه...فهي،على العموم، ثمرة تفاعل القدرات العقلية مع الخبرات الكونية والنفسية...

   وعلى الجملة، فالتصور الإسلامي قد حدد خصائص الكائن البشري وموقعه كعنصر محوري داخل المعادلة الوجودية، وهذا تكريم ليس بعده تكريم من العلي العزيز الحكيم،' ولقد كرمنا بني آدم' لكنه مقام لا يمكن الرقي في مدارجه إلا بالانخراط في مسالك التربية  الأصيلة القائمة على المرجعية الإسلامية، والمستقلة التي يشرف عليها العلماء الأمناء الأقوياء من خلال مؤسسات المجتمع الأهلي كالمساجد والأوقاف والزكاة والتجمعات المهنية والمنتديات الثقافية....

Dernière mise à jour de cette page le 28/03/2006

Créer un site internet gratuit avec E-monsite.com - Signaler un contenu illicite - Voir d'autres sites dans la catégorie Pages personnelles
Videos Droles - Clips musique - Cours création de site web