|
نحو إستراتيجية للعمل الثقافي الإسلامي2x1 |
أولا: مدخل عام
إن المشروع الثقافي الإسلامي قبل أن يكون عملا مفتوحا على التغيير، هو دراسة للواقع بأدوات موضوعية، وهو بعد ذلك رؤية تفرزها تلك الدراسة.
ويتجه هدفه-داخليا- إلى تكوين جهاز مفاهيمي يضمن أصالة المفاهيم الإسلامية وجديتها، وتوحيد الأرضية النظرية لدى المؤمنين بها.
وأما خارجيا فهدفه مناهضة الثقافة السائدة الفاسدة في سبيل سيادة ثقافة جادة بانية هادفة.
إن عملا بهاته الأهمية لا يمكن إنتاجه إلا داخل إطار مؤسساتي متكامل : يعمل كل طرف فيه على إثراء مجاله الخاص ، لتتوحد تلك المجالات في شكل إستراتيجية ثقافية عامة.
وحتى يوفر ذلك المشروع شرطي الواقعية والعلمية ، لابد أن تضبطه ضوابط أساسية تتمثل في الصرامة المنهجية، ووضوح المضامين، والتقويم المستمر.
ثانيا: الثقافة بصفتها نظرية فكرية:
1 –الـتـعـريــــف:
يصعب تحديد تعريف موحد لمفهوم " الثقافة " وذلك راجع إلى اختلاف التخصصات، أي تعدد مواقع الرصد، مما يجعل تلك التعاريف قاصرة عن التحديد، وتبقى وسيلة الاستفادة من تلك المواقع والتخصصات هي الطريق الوحيد للوصول إلى تعريف أقرب إلى الشمولية، ومن ثم سينظر إلى " الثقافة " في حالتي السكون والحركة معا:
- في حالة السكون: تعتبر الثقافة – في هذه الحالة- وحدة شاملة متناسقة، دوافعها الحاجات الإنسانية العاطفية والأمنية والمعرفية، وهدفها إشباع تلك الحاجات.
وتتجلى على المستوى الاجتماعي : كتقاليد لغوية وفكرية وجمالية وكفائية، وعلى المستوى النفسي : كقواعد تحكم السلوك حسب المواقف الاجتماعية .
- في حالة الحركة : تعتبر الثقافة- في حالتها الحركية- كتفاعل للتصور والأحكام –المتفرعة عنه- مع الواقع اليومي، عبر العقل والعاطفة ، حيث ينتج عن ذلك التفاعل مجموعة من المفاهيم والسلوكيات والنظم والفنون.
وبناء على ذلك فإنه يمكن تعريف الثقافة الإسلامية بأنها تفاعل العقيدة – تصورا – والشريعة – أحكاما – مع الواقع اليومي عبر عقل المسلم وعاطفته، وينتج عن ذلك التفاعل مجموعة من المفاهيم والسلوكيات والنظم والفنون .
إن الأصيل التاريخي لمصطلح الثقافة(1) يدلنا على أنه ظهر في المنظومة الفكرية الأوربية في القرن السادس عشر، وكانت أول لغة احتضنته هي اللغة الفرنسية، ثم اللغة الألمانية، حيث ترجم بعد ذلك إلى الانجليزية، ورغم وجود هذا المصطلح في اللغة العربية منذ فترة بعيدة، فإنه لم يدخل في المنظومة الفكرية العربية إلا في القرن العشرين، وقد يكون ذلك تفسيرا – على مستوى المراحل – للبون الشاسع الذي يفصل المرحلة الثقافية الأوربية – التي تعيش منذ زمن مرحلة العلاقة الثقافية الدولية، في حين – عند الثقافة العربية – لا تزال الدول العربية لم تستطع إنضاج مشروعها الثقافي الإقليمي، وبالأحرى إنضاج " الخطة الشاملة للثقافة العربية" وقد يكون ذلك قد انعكس على الحركات التغييرية المتواجدة بالمنطقة أيضا، حيث لم تفلح لإي إنجاز مشروع ثقافي تغييري.
2- الـخـصـائــص:
تعتبر الثقافة - ككل- " كائن نظري" مركزي ذات خصائص معينة، تحدد طبيعتها، تلك الطبيعة التي ستسمح بتحديد حدود التعامل مع الثقافة وغيرها .
أ?- التكامل والشمول:
إن الثقافة كل متكون من العناصر الشاملة لحاجات الإنسان، والعملة على إشباعها، و" إن العادات الاجتماعية أو الطرق الشعبية تتعرض لضغوط من أجل أن تتكامل "(2).
إن هذه الخاصية تدل على أن كل ثقافة عبارة عن نسق في حد ذاته يهيمن بشموليته على كل جوانب الإنسان ويسير باطراد نحو التناسق الداخلي.
ب- التكيف والتغيير:
" إن الثقافة تتغير ، وتتميز عملية التغيير الثقافي بأنها عملية تكييفية "(3)،وتتكيف الثقافة حسب البيئة الجغرافية والتاريخية مع المتطلبات البيولوجية والسيكولوجية، عن طريق الاستعارة والتنظيم، وتدل هذه الخاصية على أن الثقافة تستخرج من عمق الصراع الواقعي، وتسير دائما في اتجاه التطابق والاتساق مع ذلك الواقع، إما بإخضاعه أو الخضوع له.
ج- التراكم والانتقال:
".. تنتقل الثقافة من جيل إلى جيل على شكل عادات وتقاليد ونظم يتوارثها الخلف عن طريق المخلفات المادية ، والرموز اللغوية ، كما أنها تنتقل من وسط اجتماعي إلى آخر، وبهذا المعنى فإنها تراكمية، فالإنسان لا يستطيع أن يبدأ دائما من جديد في كل جيل " (4) ، وهذا يدل على الطابع التاريخي الذي يؤصل للوجود التاريخي في موقع معين،كما يدل على الطابع الفضائي الذي يفسح المجال أمام ثقافة معينة للتوسع المكاني.
د- القابلية للتوجيه:
إن ثقافة بقدر ما هي قوة فاعلة ومؤثرة في حياة الإنسان، هي كذلك قابلة لتحديد اتجاهها، وملء مكوناتها بمضامين يعمل الإنسان نفسه على صياغتها في شكل " ما يجب أن يكون " وتجاوز " ما هو كائن " إنه بقدر الوعي بهذه الخاصية، تتهيأ الاستطاعة على التعامل مع الثقافة لا كفعل فقط بل كانفعال يتأثر باستثارة الإنسان .
وحسب الخاصيات الأربع يتحدد التعامل مع الثقافة،على أساس ضرورة استيعاب كل عنصر ثقافي حسب نسقه العام الذي يوجد فيه هذا النسق الذي يعمل على التخلص من العناصر التي تضعف من تناسقه الداخلي، وتتحدد تلك العناصر حسب استعصائها على الاستجابة لواقع الصراع والاستمرار، بالإضافة إلى ذلك قدرة الثقافة على الامتداد الزماني والمكاني، مما يعني قدرة ثقافة ما على احتضان أخرى أو التعايش معها، وكذلك إدراك قدرة الإنسان- في مقابل ذلك – على تحديد ثقافة الغد.
هـ- التجديد(5):
هو استجابة المبادئ الدينية لحاجيات التدين، وإن اتجاهه لا يحدده التخفيف ولا التضييق، وإنما يحدده الوفاء للمقاصد الشرعية، التي تراعي جعل الالتزام بالمبادئ الدينية في أرقى مستوى، وذلك يعني، من ضمن ما يعني، أن اتجاه التجديد- اليوم – يسير بقوة نحو مقاومة التبعية والتخلف والظلم والإكراه والتجهيل ، في مقابل تجذير التنمية والوعي والحرية والكرامة والعدالة والتقدم.
إن هذه القضايا الأساسية، من الضروري أن يُعمق حولها النقاش حتى تتكون رؤية واضحة المعالم عن القضايا الفرعية التي تواجه العملين في السير.
يتبع
(1) – انظر الثقافة والشخصية، ص : 29- 31 السنة 1983. د. حسن الساعاتي
(2) – المرجع نفسه ص: 79
(3) - نفسه : ص 76
(4) - نفسه : ص: 77
(5) - أنظر: تجديد أصول الفقه د حسن الترابي ، وفي فقه التدين، ج 2 ص 38 - 57
Créer un site internet gratuit avec E-monsite.com
- Signaler un contenu illicite
Videos Droles - Clips musique - Cours création de site web